الدكتور علي بدرا
القدم السكري: حلول متقدمة للحفاظ على الأطراف وتحسين فرص الشفاء
الدكتور علي بدرا، الأخصائي في جراحة الأوعية الدموية والعلاج بالقسطرة في مركز كليمنصو الطبي – بيروت

يشكّل القدم السكري أحد أبرز مضاعفات مرض السكري، إذ يمكن أن يؤدي تلف الأعصاب وضعف التروية الدموية إلى تقرحات مزمنة ومضاعفات قد تهدد الطرف المصاب في حال عدم التدخل المبكر. ومع التطور المتسارع في طب الأوعية الدموية والعناية بالجروح، أصبحت فرص إنقاذ الأطراف وتحسين النتائج العلاجية أكبر من أي وقت مضى. في مركز كليمنصو الطبي في بيروت (CMC)، يتم اعتماد أحدث التقنيات العالمية في تشخيص وعلاج القدم السكري، بما في ذلك التدخلات القسطرية المتقدمة لإعادة التروية الدموية، والعناية المتطورة بالجروح، ضمن نهج متعدد التخصصات يهدف إلى تسريع الشفاء وتقليل الحاجة إلى البتر. وفي هذا الحوار، يوضح الدكتور علي بدرا، الأخصائي في جراحة الأوعية الدموية والعلاج بالقسطرة في مركز كليمنصو الطبي في بيروت، أبرز التطورات الحديثة في هذا المجال ودورها في الحفاظ على الأطراف وتحسين جودة حياة المرضى.
كيف يؤثر ارتفاع مستوى السكر في الدم على الأعصاب والأوعية الدموية في القدم؟
ارتفاع السكر المزمن في الدم يدمر الأنسجة بمرور الوقت عبر آليتين رئيسيتين:
• اعتلال الأعصاب المحيطية (Neuropathy): يؤدي السكر إلى إتلاف الغلاف الواقي للأعصاب (المايلين) وضعف تغذيتها الدموية الدقيقة، ما يؤدي إلى تراجع القدرة على الإحساس بالألم والحرارة والضغط، وبالتالي قد تتطور القرح من دون أن يلاحظها المريض.
• تصلب وتضيق الأوعية الدموية (Angiopathy): يسرّع السكري من ترسب الكوليسترول والكالسيوم في جدران الشرايين (تصلب الشرايين)، ما يؤدي إلى تضيق الأوعية الدموية التي تغذي القدمين، ما يحدّ من وصول الدم الغني بالأوكسجين والعناصر الغذائية إلى أنسجة القدم وبالتالي يمنع التئام الجروح البسيطة ويجعلها أكثر عرضة للغرغرينا.
ما هي العلامات المبكرة التي يجب على مرضى السكري الانتباه إليها قبل تطور المضاعفات؟
يُعد الاكتشاف المبكر حجر الأساس في الوقاية من المضاعفات وإنقاذ الأطراف. يجب على المرضى وكذلك أطباء الرعاية الأولية الانتباه لهذه العلامات التحذيرية:
• الشعور بالخدر، التنميل، أو “وخز الإبر” في القدمين.
• برودة القدمين المستمرة أو تغير لون الجلد )شحوب أو احمرار داكن).
• جفاف الجلد الشديد وتشققه )خاصة في منطقة الكعب).
• ألم أو تشنج في بطة الساق أثناء المشي يزول عند التوقف )العرج المتقطع).
• بطء التئام الخدوش أو الجروح البسيطة.
• تغير في شكل القدم أو ظهور مسامير لحمية (Calluses) غير معتادة.
ما أحدث الفحوصات والتقنيات المستخدمة لتقييم سلامة الأعصاب والدورة الدموية في القدم؟
التقييم الحديث يعتمد على الدقة والسرعة لتحديد خطة العلاج:
• تقييم الأعصاب: نستخدم اختبار “المونوفيلامنت” (Monofilament) لتقييم الإحساس اللمسي، واختبار الشوكة الرنانة لتقييم الإحساس الاهتزازي، وفي بعض الحالات تخطيط كهربية العضل والأعصاب (EMG).
• تقييم الدورة الدموية: نستخدم مؤشر ضغط الكاحل العضدي (ABI)، وقياس ضغط إصبع القدم (TBI)، وهو الأدق لمرضى السكري لأن شرايين الأصابع أقل عرضة للتكلس الشديد.
• تقييم الأكسجة: قياس نسبة الأوكسجين عبر الجلد (TcPO2) لمعرفة مدى قابلية الأنسجة للشفاء.
كيف تسهم تقنيات التصوير الحديثة واختبارات تدفق الدم في التشخيص المبكر للحالة؟
يشكّل التصوير الطبي الركيزة الأساسية لتحديد خطة التدخل العلاجي بدقة، وتشمل التقنيات الحديثة ما يلي:
• الموجات فوق الصوتية (Doppler & Duplex): تقنية آمنة وسريعة تتيح لنا رؤية سرعة تدفق الدم وتحديد أماكن التضيق بدقة.
• التصوير المقطعي (CT Angiography) والرنين المغناطيسي (MRA): توفر صوراً ثلاثية الأبعاد للشرايين، ما يسمح لنا بتحديد مدى امتداد الانسدادات حتى في أدق الشرايين تحت الركبة.
• التصوير باستخدام غاز ثاني أوكسيد الكربون (CO2 Angiography): وهي تقنية حديثة نستخدمها للمرضى الذين يعانون من قصور في وظائف الكلى لحمايتهم من أضرار الصبغة الطبية العادية.
حدّثنا عن أبرز التطورات التي شهدها علاج القدم السكري خلال السنوات الأخيرة.
أصبح علاج القدم السكري اليوم يعتمد على نهج متكامل يجمع اختصاصات طبية متعددة ضمن فريق واحد (Multidisciplinary Approach). فلم يعد الجرّاح يعمل بشكل مستقل، بل ضمن فريق يضم أخصائي أمراض الغدد والسكري، خبير العناية بالجروح، أخصائي الأمراض الجرثومية، واختصاصي القدم. التحول الثاني الأبرز هو استراتيجية “التدخل الطفيف التوغل أولا” (Endovascular-first)، حيث بتنا نفضل استخدام القسطرة وفتح الشرايين من الداخل بدلاً من الجراحات المفتوحة الكبيرة متى كان ذلك ممكناً، ما يقلل من مضاعفات التخدير ويسرّع فترة التعافي.
كيف ساهمت تقنيات العناية المتقدمة بالجروح في تحسين معدلات الشفاء؟
شهدت العناية بالجروح تطوراً كبيراً تجاوز الأساليب التقليدية إلى تقنيات متقدمة تسرّع الشفاء وتحسن النتائج السريرية. لقد أحدثت التقنيات الحديثة ثورة حقيقية في هذا المجال من خلال:
• العلاج بالضغط السلبي (VAC Therapy): استخدام أجهزة تشفط السوائل الزائدة من الجرح وتحفز نمو الأوعية الدموية الدقيقة وتكوين أنسجة جديدة.
• الضمادات الذكية والبدائل الحيوية: استخدام ضمادات تحتوي على أيونات الفضة للقضاء على البكتيريا، أو الكولاجين، وبدائل الجلد الحيوية لتسريع التئام القرح المستعصية.
• تقنيات تخفيف الضغط (Offloading): مثل القوالب الجبسية المتكاملة (TCC) والأحذية الطبية المخصصة لمنع الاحتكاك وتوزيع وزن الجسم بعيداً عن القرحة.
ماذا عن تقنيات إعادة التروية الوعائية والتدخلات القسطارية بالنسبة لهذه الفئة من المرضى؟
التدخل بالقسطرة (Endovascular Interventions) غيّر مسار علاج القدم السكري بالكامل، حيث بتنا نستخدم الآن بالونات دقيقة جداً ومطلية بالأدوية (Drug-Coated Balloons) لتوسيع الشرايين المتضيقة ومنع عودة الانسداد.
يمكن تركيب الدعامات (Stents) المرنة التي تتكيف مع حركة الساق، أو استخدام تقنيات استئصال اللويحات (Atherectomy) لتنظيف الشرايين من التكلسات، وتقنيات تكسير التكلسات بالموجات الصوتية (IVL Intra Vascular Lithotripsy).
ومن أبرز التطورات الحديثة القدرة على الوصول إلى الشرايين الدقيقة أسفل الكاحل وداخل قوس القدم (Pedal Arch Reconstruction) لإعادة التروية مباشرة إلى منطقة الجرح.
كيف يواكب مركز كليمنصو الطبي في بيروت أحدث المعايير العالمية في تشخيص وعلاج القدم السكري، وما الخدمات المتخصصة التي يوفرها للمرضى لضمان أفضل النتائج العلاجية؟
يعتمد مركز كليمنصو الطبي (CMC) أحدث التوصيات والإرشادات العالمية (مثل إرشادات IWGDF وSVS)، ويتميز بوجود غرف عمليات هجينة (Hybrid ORs) تجمع بين الجراحة المفتوحة والتدخلات القسطرية المتقدمة ضمن بيئة علاجية متكاملة. كما نوفر عيادة متخصصة ومتكاملة للقدم السكري، حيث يتم تقييم المريض من قبل فريق طبي متكامل في زيارة واحدة. ونقدم خدمات متكاملة تبدأ بالتثقيف الوقائي والفحص الدوري للأعصاب والدورة الدموية، مروراً بالعناية المتقدمة بالجروح، وصولاً إلى أحدث تقنيات القسطرة المعقدة وجراحة الأوعية الدموية الدقيقة. يتمثل هدفنا في الحفاظ على الأطراف، والحد من خطر البتر، وتمكين المرضى من التمتع بأفضل جودة حياة ممكنة.



