مقابلات

الدكتورة جنان أبو ضاهر عواضة

حماية الكلى تبدأ من السيطرة على السكري والضغط

الدكتورة جنان أبو ضاهر عواضة، الأخصائية في أمراض الكلى وضغط الدم في مركز كليمنصو الطب

في ظل الارتفاع المتزايد في معدلات السكري وارتفاع ضغط الدم والسمنة، تتزايد أعداد المصابين بأمراض الكلى المزمنة في لبنان والمنطقة، ما يجعل التوعية والكشف المبكر عنصرين أساسيين للوقاية من المضاعفات الخطيرة وتأخير الوصول إلى مراحل متقدمة من المرض. ومع التطور المستمر في العلاجات وتقنيات غسيل الكلى، بات بالإمكان تحسين جودة الحياة ومنح المرضى فرصًا أكبر للحفاظ على وظائف الكلى لفترات أطول. في هذا اللقاء، تتحدث الدكتورة جنان عواضة من مركز كليمنصو الطبيبيروت (CMC) عن أبرز أسباب الفشل الكلوي، وأهمية المتابعة الدورية والفحوصات المبكرة، إلى جانب أحدث الخيارات العلاجية وتقنيات غسيل الكلى المتقدمة.

ما هي أبرز الأسباب المؤدية إلى الفشل الكلوي؟

تُعدّ أمراض السكري وارتفاع ضغط الدم من أبرز الأسباب المؤدية إلى الفشل الكلوي في لبنان ومنطقة الشرق الأوسط. فمرضى السكري يشكّلون النسبة الأكبر من الحالات، إذ ترتبط ما بين 30 إلى 40% من حالات الفشل الكلوي بمضاعفات السكري، يليها ارتفاع ضغط الدم بنسبة تقارب ما بين 20 إلى 25%.

كما نلاحظ اليوم ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات السمنة وما يرتبط بها من اضطرابات تُعرف بمتلازمة الأيض  (Metabolic Syndrome) وهي حالة تجمع بين السمنة، السكري، ارتفاع ضغط الدم وارتفاع الكوليسترول، ما يزيد من خطر الإصابة بأمراض الكلى مع الوقت.

لذلك، تبقى الوقاية والمتابعة المنتظمة وضبط مستويات السكر والضغط من الخطوات الأساسية للحفاظ على صحة الكلى وتجنّب المضاعفات.

من ناحية أخرى، هناك بعض الأمراض الجينية التي قد تؤثر على الكلى، ومن أبرزها مرض تكيّس الكلى الوراثي (Polycystic Kidney Disease) ؛ ففي بعض الحالات، قد يظهر ارتفاع ضغط الدم لدى أشخاص في عمر صغير، قبل أن تكشف الفحوصات وجود تكيسات في الكلى. لذلك، يلعب العامل الوراثي دورًا مهمًا في بعض حالات أمراض الكلى المزمنة.

الالتهابات البولية المتكررة، خصوصًا لدى الأطفال الذين يعانون من ارتجاع البول إلى الكلى Urinary reflux-، قد تؤثر سلبًا على وظائف الكلى مع التقدم في العمر، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى الفشل الكلوي.

ما هي أبرز الفحوصات التي تساعد على الكشف المبكر عن تأثر الكلى؟

من أهم الفحوصات التي نعتمد عليها تحليل نسبة البروتين إلى الكرياتينين في البول (Protein to Creatinine Ratio)، لأنه يعطينا مؤشرات مبكرة على بدء تأثر الكلى. فوجود البروتين في البول ليس أمرًا طبيعيًا، وبالتالي فإن ارتفاع هذه النسبة قد يكون من العلامات الأولى على وجود خلل في وظائف الكلى. ويُجرى هذا الفحص في المختبر لأنه أكثر دقة ويساعدنا على تقييم الحالة بشكل أفضل.

فحص الـ Microalbumin يُعتبر أيضًا من الفحوصات المهمة جدًا، لأنه قد يكشف عن تأثر مبكر في الكلى حتى قبل ظهور البروتين بشكل واضح في البول. فعلى سبيل المثال، لدى بعض مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم قد لا نلاحظ وجود بروتين في البول، لكن انخفاض مستوى الألبومين أو ارتفاع الكرياتينين قد يكون مؤشرًا على وجود مشكلة تستدعي المزيد من الاستقصاءات.

ما الفرق بين الفشل الكلوي الحاد والفشل الكلوي المزمن؟

عندما يحدث ارتفاع مفاجئ في نسبة الزلال أو تراجع سريع في وظائف الكلى، نكون أمام حالة تُعرف بالفشل الكلوي الحاد (Acute Kidney Injury)، وهي تختلف تمامًا عن الفشل الكلوي المزمن  Chronic Kidney Disease الذي يتطور تدريجيًا على مدى سنوات. وأود أن أؤكد هنا أن الفشل الكلوي الحاد لا يعني الحاجة الدائمة لغسيل الكلى وهو من أكثر المخاوف شيوعًا لدى الناس؛ ففي بعض الحالات، يصل المريض إلى المستشفى مع تدهور شديد في وظائف الكلى، ورغم إعطاء العلاجات الداعمة، قد لا تستجيب الكلى بالشكل المطلوب، ما يضطرّنا إلى اللجوء مؤقتًا إلى غسيل الكلى لدعم الجسم.

ومع تحسن الوظائف الكلوية تدريجيًا، يمكن التوقف عن الغسيل. لذلك، لا يجب الخلط بين الفشل الكلوي الحاد والفشل الكلوي المزمن، لأن لكل حالة طبيعتها وطريقة التعامل معها.

متى يصبح غسيل الكلى ضروريًا لدى مرضى الفشل الكلوي المزمن؟

بالنسبة لمرضى الفشل الكلوي المزمن، فإن قرار اللجوء إلى غسيل الكلى يعتمد على تشخيص دقيق للحالة ومرحلة المرض. فالفشل الكلوي المزمن يُقسم إلى خمس مراحل، تبدأ من المرحلة الأولى وصولًا إلى المرحلة الخامسة، ولكل مرحلة طريقة متابعة وعلاج مختلفة.

الهدف الأساسي من العلاج هو منع تطور المرض وتأخير الوصول إلى المراحل المتقدمة قدر الإمكان، مع الحفاظ على وظائف الكلى ضمن المرحلتين الأولى والثانية لأطول فترة ممكنة. واليوم، أصبحت هناك أدوية حديثة ومتطورة تساعد بشكل كبير على حماية وظائف الكلى، خاصة لدى مرضى السكري، وتساهم في إبطاء تطور المرض.

هل هناك عوامل أخرى قد تسرّع تدهور وظائف الكلى؟

بالتأكيد، ففقر الدم من المشكلات التي يجب التعامل معها بجدية لدى مرضى الكلى، لأن إهماله قد يسرّع تدهور الحالة ويزيد من احتمالية الحاجة إلى غسيل الكلى. كما أن ضبط ضغط الدم ومستويات الكوليسترول يشكل جزءًا أساسيًا من الخطة العلاجية للحفاظ على صحة الكلى.

في بعض الحالات قد يكون هناك سبب آخر وراء تراجع وظائف الكلى، مثل مرض الـMultiple Myeloma، أو بعض أنواع السرطان، أو تكيس الكلى الوراثي. لذلك، لا بد من البحث عن السبب الأساسي ومعالجته بشكل جذري قدر الإمكان، لأن علاج السبب الرئيسي يلعب دورًا محوريًا في حماية الكلى وتحسين جودة الحياة.

ما أهمية المتابعة الدقيقة بين الطبيب والشخص المصاب في حماية وظائف الكلى؟

المتابعة المستمرة بين الطبيب والشخص المصاب تعد عنصرًا أساسيًا في السيطرة على الحالة والحفاظ على وظائف الكلى والحد من تطور المرض، خاصة لدى مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم. فاختيار أدوية الضغط والسكري المناسبة وضبط الجرعات بطريقة مدروسة يساعدان على حماية الكلى، إذ قد تستدعي بعض الحالات استبدال أنواع معينة من الأدوية لتجنب أي تأثير سلبي على وظائفها، وذلك بالتنسيق الكامل مع الأطباء المعنيين.

المتابعة المنتظمة مع الطبيب المختص وإجراء الفحوصات الدورية تلعب دورًا أساسيًا في الحفاظ على صحة الكلى.

كما أن ضبط مستويات السكر في الدم ضمن المعدلات الطبيعية، والحفاظ على ضغط الدم ضمن النسب المناسبة لكل فئة عمرية، يساعدان بشكل كبير في الحد من تراجع وظائف الكلى.

الحفاظ على معدلات مستقرة للسكري وضغط الدم، وتجنب البدانة، يُعتبر من أهم العوامل التي تساعد على حماية وظائف الكلى والحد من تدهور المرض. المتابعة الدورية مع الطبيب المختص ضرورية لضبط الخطة العلاجية وتعديل الأدوية عند الحاجة بما يتناسب مع حالة الكلى ووظائفها.

كما أن بعض المسكنات وأنواع معينة من الأدوية قد تؤثر سلبًا على وظائف الكلى، خاصة عند استخدامها بشكل متكرر أو من دون إشراف طبي. كذلك، فإن اضطرابات الأملاح والمعادن في الجسم تحتاج إلى متابعة دقيقة ومعالجة مبكرة لتجنب أي مضاعفات إضافية على الكلى.

في حال الوصول إلى غسيل الكلى، ما الخيارات المتوفرة اليوم؟

في حال الوصول إلى مرحلة غسيل الكلى، من المهم التأكيد أن الحياة لا تتوقف عند هذه المرحلة، خصوصًا مع التطورات الكبيرة التي يشهدها هذا المجال اليوم. كما تبقى زراعة الكلى من الخيارات المهمة، خاصة عند توفر متبرع حي من أحد أفراد العائلة.

غسيل الكلى الدموي (Hemodialysis) لا يزال من أكثر الخيارات استخدامًا، ويتم عادة داخل المستشفى أو مراكز الغسيل المتخصصة بمعدل جلستين إلى ثلاث جلسات أسبوعيًا، تستغرق الجلسة الواحدة نحو أربع ساعات.

وقد شهد هذا النوع تطورًا كبيرًا من حيث التقنيات وجودة الرعاية، ما ساهم في تحسين راحة الأشخاص الذين يخضعون له وجودة حياتهم.

غسيل الكلى البريتوني (Peritoneal Dialysis) يمكن إجراؤه في المنزل بعد تدريب وتثقيف الشخص بشكل جيد. ويعتمد هذا النوع على قسطرة (Catheter) يتم وضعها داخل البطن، مع ضرورة الالتزام الكامل بإجراءات النظافة والمتابعة الدورية لتجنب الالتهابات.

ما الرسالة الأساسية التي تودّون إيصالها للأشخاص المصابين بأمراض الكلى؟

التطورات الطبية الحديثة ساهمت بشكل كبير في تحسين جودة الرعاية ومنح المرضى فرصة العيش لسنوات طويلة بنوعية حياة جيدة. ويبقى العامل الأهم هو التوعية المستمرة، والكشف المبكر، والمتابعة الدورية مع فريق طبي متخصص، إضافة إلى الالتزام بالنظام الغذائي الصحي ونمط حياة متوازن، لأن هذه الخطوات تلعب دورًا أساسيًا في تأخير الوصول إلى غسيل الكلى والحد من مضاعفات أمراض الكلى قدر الإمكان.

الحفاظ على صحة الكلى يرتبط بشكل كبير بالسيطرة على السكري وارتفاع ضغط الدم، إلى جانب اتباع نمط حياة متوازن وصحي. ويُنصح بشرب كميات كافية من المياه يوميًا، ما يساعد على دعم وظائف الكلى والحفاظ على توازن الجسم.

كما يُعدّ التقليل من استهلاك الملح والحد من الوجبات الجاهزة والأطعمة المصنعة من الخطوات الأساسية لحماية الكلى. كذلك، تلعب الرياضة المنتظمة دورًا مهمًا في الحفاظ على وزن صحي وتحسين مستويات السكر والضغط، ما ينعكس إيجابًا على صحة الكلى على المدى الطويل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى