آفاق عالمية: رؤية متجددة للابتكار الطبي في عالم أكثر ترابطًا
آفاق عالمية: رؤية متجددة للابتكار الطبي في عالم أكثر ترابطًا
الدكتور هيثم حسون، الرئيس التنفيذي للشؤون الدولية في سيدارز‑سيناي، لوس أنجلوس

مع حلول فصل الخريف، أتطلّع دائمًا بحماس إلى ما يحمله هذا الموسم من مناسبات رياضية وفعاليات متنوعة. وقد تشرّفت هذا العام مجددًا بالمشاركة في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وإلقاء الكلمة الختامية في قمة “C3 دافوس للرعاية الصحية”، التي شكّلت انطلاقة لفعاليات الجمعية العمومية.
بينما كان زملائي يتعمّقون في موضوعات اليوم، من البحوث الانتقالية وتطوير الأدوية والتجارب السريرية إلى الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية وتحويل الأفكار الواعدة إلى رعاية للمرضى، تأمّلت ما أحرزناه من تقدّم منذ انطلاق هذا اللقاء، وما شهدته الرعاية الصحية العالمية من تطوّر. واستحضرت، بطبيعة الحال، ذكرى صديقي العزيز الراحل، الدكتور موهان تشيلابا، ذلك المعلّم والمرشد الاستثنائي الذي أهديت إليه كلمتي الختامية مرة أخرى.
كان موهان صاحب رؤية استشرافية، أدرك منذ البداية القوة الحقيقية للتعاون. آمن بنا، ولم يتوقف يومًا عن تذكيرنا بأن المؤسسات والتكنولوجيا والبنية التحتية، على أهميتها البالغة، تحتاج إلى أشخاص يبنون الثقة التي تتيح للتعاون اجتياز الحدود ليصل أثره إلى المرضى. جمع بين الحزم واللطف، وكانت ثقته بزملائه راسخة. وبصفته جرّاحًا وشغوفًا بالتكنولوجيا، امتلك فضولًا معرفيًا لا ينضب تجاه الأفكار والتقنيات المستجدة. لكنه كان يعيدنا دائمًا إلى السؤال الأساسي: كيف يفيد هذا الابتكار المرضى فعليًا، وكم من الوقت نحتاج لإيصاله إليهم؟
إلى جانب الفرصة القيّمة التي تتيحها قمة «C3» للقاء وتبادل الخبرات، فإنها تعكس بوضوح التحوّلات التي يشهدها قطاع الرعاية الصحية. ففي سنواتها الأولى، تمحور جانب كبير من نقاشاتنا حول الشراكات بين المستشفيات والمراكز الطبية الأكاديمية، وكيفية تأسيسها وضمان استمراريتها. واليوم، تطوّرت هذه الشراكات إلى شبكات أوسع للابتكار. وعندما تعمل هذه الشبكات بأفضل إمكاناتها، فإنها تحقق فوائد ملموسة للمرضى، لكنها تطرح أيضًا سؤالًا يبدو بسيطًا للوهلة الأولى: ما الذي يدفع جهود علاج الأمراض إلى الأمام بصورة أفضل، التعاون أم المنافسة؟
تؤكد الخبرة والضرورة أننا نحتاج إلى كليهما. فالمنافسة تدفعنا إلى التحرّك بوتيرة أسرع، ومراجعة افتراضاتنا واختبارها. وفي المقابل، لا يمتلك أي مختبر أو شركة أو منظومة صحية أو دولة، بمفرده، جميع القدرات اللازمة لنقل فكرة من مرحلة الاكتشاف إلى رعاية المريض بأمان وسرعة. وهنا يصبح التعاون ضروريًا لاستمرار التقدّم.
كيف يتحقق ذلك عمليًا؟ اعتدنا لسنوات النظر إلى الابتكار بوصفه مسارًا متسلسلًا يبدأ بالاكتشاف، ثم البحث السريري، ثم اعتماد الابتكار في الممارسة، وصولًا إلى انتشاره عالميًا. وقد خدمنا هذا النموذج، لكنه لم يعد يعبّر بالكامل عن واقعنا. ففي عالم شديد الترابط، نادرًا ما ينتقل الابتكار بسلاسة من مرحلة إلى أخرى؛ إذ تتعدد المتغيرات ويصعب التنبؤ بها.
ويتبلور اليوم نهج يقوم على التفاعل المستمر والمراجعة المتتابعة، تتكامل فيه الاحتياجات السريرية والبحوث والتكنولوجيا والاستثمار والأطر التنظيمية والتطبيق، ويؤثر كل منها في الآخر. وفي هذا النهج، يشارك الأطباء منذ البداية في صياغة الأسئلة البحثية، وتقييم قدرة الفكرة على تلبية احتياج فعلي لم يُلبَّ بعد، ثم تطويرها في ضوء ما يتراكم من أدلة وخبرات، بدلًا من انتظار وصول الابتكار إلى مرحلته النهائية لاعتماده.
في مقال نشره عام 2010 في صحيفة «نيويورك تايمز»، عرض توماس فريدمان تجربة شركة ناشئة للأجهزة الطبية تُدعى “إندوستيم” (EndoStim). وقد تميّزت الشركة بقدرتها على جمع الكفاءات ورأس المال والخبرات الهندسية والسريرية من دول متعددة. ولا تزال تجربتها معبّرة عن قوة الابتكار العالمي. لكن عند إعادة قراءة ذلك المقال الاستشرافي اليوم، يتضح أن عنصرًا أساسيًا كان غائبًا عنه: منظومة الطب الأكاديمي.
خلال السنوات التالية، أدركنا أن المراكز الطبية الأكاديمية تؤدي دورًا لا غنى عنه في دفع الابتكار الذي يتمحور حول احتياجات المرضى. فنحن نتمتع بموقع يتيح الجمع بين الاكتشاف العلمي والخبرة السريرية والرعاية المباشرة. يعمل الباحثون إلى جانب أطباء يفهمون المرض واحتياجات المصابين به، ويعرفون واقع تقديم الرعاية، ويرصدون في ممارستهم اليومية العلاجات التي تحقق النتائج المرجوّة وتلك التي لا تزال قاصرة عنها. ومن خلال هذا التعاون، تصمّم الفرق دراسات أفضل، وتجري تجارب سريرية وفق معايير علمية صارمة، وتطوّر الابتكارات مع توافر الأدلة، وتنتج البراهين التي يحتاجها الأطباء والجهات التنظيمية والمنظومات الصحية قبل اعتمادها في الرعاية. ويقدّم القطاع الصناعي الخبرات الهندسية والاستثمارات والقدرة على التوسّع، بينما يسهم الشركاء الدوليون في تقييم مدى ملاءمة الابتكار لمرضاهم ومنظوماتهم الصحية وسياقاتهم الثقافية.
ويختصر زميلي في سيدارز‑سيناي، الدكتور برهم أبو دية، المدير التنفيذي والعميد المشارك للابتكار، هذه الفكرة بقوله: «أفضل الابتكارات تأتي من العاملين في الميدان، الذين يلامسون عن قرب احتياجات المرضى الحقيقية التي لم تُلبَّ بعد». فالأطباء يحدّدون المشكلات التي تستحق البحث عن حلول، ويميّزون الأفكار الواعدة من تلك التي تثير الاهتمام فحسب، ويُبقون الجهود موجّهة نحو النتائج التي تهم المرضى.
ويهدف النموذج الذي يتبلور اليوم إلى جعل هذه العملية أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة، إذ تبدأ مؤسسات الطب الأكاديمي والقطاع الصناعي والحكومات وروّاد الأعمال والشركاء المحليون في الرعاية الصحية تعاونها في مراحل مبكرة، لتجمع الخبرات المناسبة منذ البداية، وتختبر الأفكار في ضوء الواقع السريري، وتطوّرها مع تراكم الأدلة، وتُهيّئها للاعتماد في منظومات صحية مختلفة. وهكذا يصبح النموذج التكاملي للابتكار دورة متواصلة من التعلّم والتحسين، تتيح، عند نجاحها، تفادي التأخيرات التي يمكن تجنّبها بين الاكتشاف والتطبيق.
ونلمس بالفعل النتائج الإيجابية لهذا النهج. فقد أحدثت الأدوية القائمة على «GLP‑1» تغيّرًا مهمًا في علاج السمنة وداء السكري من النوع الثاني لدى ملايين الأشخاص، وفتحت في الوقت نفسه بابًا لأسئلة حول الرعاية طويلة الأمد، وإمكانية الحصول على العلاج، وأفضل السبل لدعم المرضى الذين يستخدمونه. ومؤخرًا، اعتمدت إدارة الغذاء والدواء الأميركية – FDA علاجًا موجّهًا هو الأول من فئته لسرطان البنكرياس النقيلي. وفي هذا المرض، الذي لطالما كانت خيارات علاجه محدودة، أظهرت تجربة سريرية ارتفاع وسيط البقاء الكلي على قيد الحياة من 6.7 أشهر مع العلاج الكيميائي المعتاد إلى 13.2 شهرًا مع العلاج الجديد. وبالنسبة إلى المرضى وعائلاتهم، يعني ذلك وقتًا أطول، وخيارات أوسع، وأملًا أكبر.
يشكّل التواصل والتعاون جوهر عملنا في سيدارز‑سيناي الدولية. فأطباؤنا المبتكرون وباحثونا يعملون مع مؤسسات الرعاية الصحية والحكومات والقطاع الصناعي وزملائهم الأطباء حول العالم. نصغي إلى شركائنا، ونطوّر الحلول معهم، ونكيّف جهودنا وفق الاحتياجات المحلية.
ومن خلال هذا التفاعل، تخضع الأفكار الواعدة للتقييم الدقيق، وتصبح أكثر نضجًا، وتصل إلى المرضى بطرق تلائم مجتمعاتهم.ويتيح لنا حضورنا العالمي المتنامي، بما في ذلك عيادة سيدارز‑سيناي في لندن، تقديم رعاية شخصية تحظى باهتمام وثيق، وبناء علاقات تعمّق فهمنا للاحتياجات والفرص المحلية. وتشمل رؤيتنا، إلى جانب علاج الأمراض، تعزيز الصحة والعافية، وإتاحة أحدث التطورات الطبية لمساعدة الناس على العيش بصحة أفضل وجودة حياة أعلى.
تحدث هذه التحوّلات في عالم يتّسم بالانقسام وعدم اليقين، وتتعرّض فيه العولمة لضغوط واضحة. ومع ذلك، تذكّرنا الرعاية الصحية باستمرار بعمق الروابط التي تجمعنا. وتكشف قمة «C3» ملامح المرحلة المقبلة: نموذج أكثر مرونة وتكاملًا للابتكار، يستند إلى قدرات الطب الأكاديمي لتسريع وصول الاكتشافات الواعدة إلى المرضى.
ومع تطلّعي إلى المستقبل، تزداد ثقتي بقدرتنا على تسريع تحويل الأفكار الواعدة إلى رعاية أفضل تُقدَّم في الوقت المناسب. فمرضانا وعائلاتهم يعوّلون علينا، ومن واجبنا تجاههم وتجاه أنفسنا أن تظلّ احتياجاتهم في صميم كل ما نقوم به.
www.cedars-sinai.co.uk/home
www.cedars-sinai.org/ar/international-patients
INSTAGRAM LINKEDIN FACEBOOK



