الدكتورة ريا الخوري
ما بين الهرمونات والمشاعر: صحة المرأة النفسية في مراحل التحوّل
الدكتورة ريا الخوري، الأخصائية في الطب النفسي في مركز كليمنصو الطبي – بيروت

تمرّ المرأة خلال حياتها بمراحل تحمل تحولات جسدية ونفسية عميقة، وتبرز مرحلة ما بعد الولادة وما قبل انقطاع الطمث كفترتين قد تكون فيهما أكثر عرضة للتغيرات المزاجية والقلق والاكتئاب. وبين ما يُعد طبيعيًا وما يستدعي التدخل، تبقى معرفة الأعراض وفهم أسبابها الخطوة الأولى نحو الرعاية الصحيحة.
في هذا الحوار، تضيء الدكتورة ريا الخوري، الأخصائية في الطب النفسي في مركز كليمنصو الطبي – بيروت، على أبرز التحديات النفسية التي قد تواجهها المرأة خلال هاتين المرحلتين، وكيفية التمييز بين التقلبات الطبيعية والاضطرابات التي تحتاج إلى متابعة، إضافة إلى أهمية الدعم والعلاج في الوقت المناسب.
ما أبرز التغيرات النفسية التي قد تواجهها المرأة في مرحلتي ما بعد الولادة وما قبل انقطاع الطمث، ولماذا تُعد هاتان المرحلتان من أكثر الفترات حساسية؟
تُعدّ مرحلتا ما بعد الولادة وما قبل انقطاع الطمث من أكثر الفترات حساسية في حياة المرأة، بسبب تداخل التغيرات الهرمونية مع التغيرات النفسية والاجتماعية، واضطرابات النوم والضغوط اليومية. لذلك، لا ينبغي النظر إلى الأعراض على أنها نتيجة عامل واحد فقط.
ما بعد الولادة: قد تمرّ المرأة بتقلبات مزاجية مؤقتة تُعرف بـ«الكآبة النفاسية»، وقد تتطور لدى بعض النساء إلى اكتئاب أو قلق ما بعد الولادة، مع مشاعر مستمرة من الحزن أو الذنب أو الإرهاق، وأحيانًا أفكار ومخاوف ملحّة تتعلق بسلامة الطفل.
ما قبل انقطاع الطمث: قد تؤدي التقلبات الهرمونية إلى تغيرات في المزاج، وقلق، وصعوبة في التركيز، واضطرابات النوم والتعرق الليلي، ما قد يزيد الشعور بالإجهاد ويؤثر في الحياة اليومية.
وتُعدّ هاتان المرحلتان من أكثر الفترات حساسية، لأن التغيرات الجسدية والهرمونية تتزامن مع تحولات كبيرة في حياة المرأة، مثل مسؤوليات الأمومة، وتغيرات في النوم والعمل والعلاقات. ولهذا، فإن الدعم النفسي والاجتماعي والتدخل المبكر عند الحاجة يمكن أن يساعدا المرأة على التكيف والحفاظ على صحتها النفسية والجسدية.
كيف يمكن التمييز بين التغيرات المزاجية الطبيعية والاضطرابات النفسية التي تستدعي تدخلاً طبيًا؟
يمكن التمييز بين التغيرات المزاجية الطبيعية والاضطرابات النفسية من خلال ثلاثة عوامل أساسية: شدة الأعراض، ومدتها، ومدى تأثيرها في الحياة اليومية.
بعد الولادة: تُعدّ «الكآبة النفاسية» شائعة خلال الأيام الأولى، وتظهر في صورة تقلبات مزاجية وبكاء وقلق، وغالبًا ما تتحسن تلقائيًامن دون الحاجة إلى أي تدخل طبي.
قبل انقطاع الطمث: يُقيّم الوضع بالطريقة نفسها، مع النظر إلى شدة الأعراض ومدتها وتأثيرها في الحياة، إلى جانب الأعراض الجسدية، مثل الهبات الساخنة واضطرابات النوم، والأعراض المعرفية، مثل النسيان وصعوبة التركيز أو «ضبابية الدماغ».
وبشكل عام، فإن وجود تقلبات في المزاج ليس المشكلة بحد ذاته، بل استمرارها أو شدتها أو تأثيرها في قدرة المرأة على أداء مهامها اليومية.
ما أكثر اضطرابات الصحة النفسية شيوعًا بعد الولادة، وما العلامات المبكرة التي ينبغي عدم تجاهلها؟
تشمل أكثر اضطرابات الصحة النفسية شيوعًا بعد الولادة: الحزن النفاسي (Baby Blues)، واكتئاب ما بعد الولادة، واضطرابات القلق، والوسواس القهري، واضطراب ثنائي القطب. أما ذهان ما بعد الولادة فهو نادر، لكنه من أخطر الحالات ويُعدّ حالة طبية طارئة. الحزن النفاسي شائع ومؤقت، ويظهر خلال الأيام الأولى بعد الولادة على شكل تقلبات مزاجية وبكاء وقلق، وعادةً ما يختفي خلال أسبوعين. أما اكتئاب ما بعد الولادة، فيتميز باستمرار الأعراض أو ازدياد شدتها، وقد يظهر على شكل حزن وعزلة، وفقدان المتعة، واضطرابات النوم أو الشهية، وقلق شديد، وصعوبة في رعاية الطفل أو القيام بالمهام اليومية. كما يجب الانتباه إلى الأفكار المزعجة أو الاقتحامية حول إيذاء النفس أو الطفل. ووجود هذه الأفكار لا يعني بالضرورة وجود رغبة في تنفيذها، لكنه يستدعي تقييمًا متخصصًا لتحديد طبيعتها ومستوى الخطورة. أما الهلاوس، والأوهام، وفقدان الاتصال بالواقع، والهوس الشديد، أو التغيرات السلوكية الحادة، فقد تشير إلى ذهان ما بعد الولادة أو اضطراب مزاجي شديد، وتحتاج إلى تدخل طبي فوري. وفي هذه الحالات، يجب عدم ترك الأم بمفردها والتوجه مباشرةً إلى الطبيب أو قسم الطوارئ.
إلى أي مدى تلعب التغيرات الهرمونية دورًا في ظهور القلق أو الاكتئاب خلال مرحلة ما قبل انقطاع الطمث؟ وهل هي السبب الوحيد؟
تلعب التغيرات الهرمونية دورًا مهمًا في ظهور القلق أو الاكتئاب خلال مرحلة ما قبل انقطاع الطمث، لكنها ليست السبب الوحيد. ويُعتقد أن التقلبات الكبيرة في مستوى الإستراديول، مع التغيرات في البروجسترون، قد تؤثر في كيمياء الدماغ وتنظيم المزاج. كما تؤثر الأعراض الجسدية المصاحبة بشكل غير مباشر في الصحة النفسية، مثل الهبات الساخنة، والتعرق الليلي، واضطرابات النوم، والتعب، وآلام المفاصل، ما قد يزيد القلق أو الاكتئاب. لكن يجب أيضًا البحث عن عوامل أخرى، أهمها وجود تاريخ سابق للاكتئاب أو القلق أو اضطرابات المزاج المرتبطة بالتغيرات الهرمونية، مثل اكتئاب ما بعد الولادة أو اضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي (PMDD) . كذلك قد تلعب الضغوط العائلية والمهنية، والمشكلات الزوجية، والأمراض المزمنة، ونمط الحياة غير الصحي دورًا مهمًا. لذلك، لا ينبغي اعتبار الهرمونات السبب الوحيد، بل يجب النظر إلى الحالة من منظور بيولوجي ونفسي واجتماعي متكامل، مع تقييم الأعراض والتاريخ النفسي والظروف المحيطة بالمرأة لفهم الأسباب واختيار التدخل المناسب.
ما أبرز عوامل الخطر التي تزيد احتمال الإصابة باضطرابات نفسية خلال هاتين المرحلتين؟
تتداخل عدة عوامل في زيادة احتمال الاضطرابات النفسية خلال مرحلتي ما بعد الولادة وما قبل انقطاع الطمث، وأبرزها وجود تاريخ سابق للاكتئاب أو القلق أو اضطرابات المزاج، إضافة إلى اكتئاب الحمل أو اكتئاب ما بعد الولادة. كما تلعب الظروف المحيطة دورًا مهمًا، مثل المشكلات الزوجية، والضغوط المالية، والعزلة الاجتماعية، ونقص الدعم، والأمراض المزمنة أو الألم المستمر، إلى جانب تجارب الحمل والولادة الصعبة. وفي مرحلة ما قبل انقطاع الطمث، قد تزيد التغيرات الهرمونية المفاجئة من حدة الأعراض النفسية والجسدية. لذلك، غالبًا ما يكون الخطر نتيجة تداخل عوامل نفسية وهرمونية وجسدية واجتماعية، ما يجعل التقييم الشامل للمرأة أساسيًا لفهم حالتها وتقديم الدعم المناسب.
كيف تؤثر الصحة النفسية للأم على علاقتها بطفلها وأسرتها؟
تؤثر الصحة النفسية للأم بشكل مباشر في علاقتها بطفلها واستقرار الأسرة وجودة حياتها. فعندما تعاني الأم من الاكتئاب أو القلق، قد تقل قدرتها على التفاعل العاطفي مع طفلها والاستجابة لاحتياجاته، ما قد يؤثر في شعوره بالأمان وفي تطوره الاجتماعي والمعرفي.
كما يمكن أن تنعكس حالتها النفسية على الحياة الأسرية، فتزداد صعوبة القيام بالمسؤوليات اليومية، وقد يتأثر الشريك وبقية أفراد الأسرة نتيجة الضغط النفسي والجسدي. ومن المهم التأكيد أن عدم قدرة الأم على أداء بعض واجباتها لا يعني أنها لا تحب طفلها أو عائلتها، بل قد يكون نتيجة مباشرة للحالة النفسية التي تمر بها. والرسالة الأهم هي أن اضطرابات الصحة النفسية قابلة للعلاج، والعلاج فعّال؛ لذلك لا ينبغي الشعور بالخجل أو التردد في طلب المساعدة، لأن دعم الأم ينعكس إيجابيًا على الطفل والأسرة بأكملها.
ما أحدث الخيارات العلاجية المتاحة اليوم، وهل يمكن الجمع بين العلاج النفسي والدوائي أو الهرموني؟
يعتمد العلاج على التشخيص وشدة الأعراض واحتياجات المرأة، وقد يشمل العلاج النفسي أو الدوائي أو الجمع بينهما. ويُعدّ العلاج المعرفي السلوكي (CBT) من أهم الخيارات لعلاج الاكتئاب والقلق، بينما تُستخدم مضادات الاكتئاب ومثبطات المزاج أو مضادات الذهان حسب طبيعة الحالة.
في مرحلة ما قبل انقطاع الطمث، يمكن استخدام العلاج الهرموني لتخفيف أعراض مثل الهبات الساخنة، والتعرق الليلي، واضطرابات النوم، وقد يؤدي تحسن هذه الأعراض إلى تحسن المزاج. لكنه لا يُعتبر بديلًا عن العلاج النفسي أو الدوائي عند وجود اكتئاب واضح. يمكن أيضًا الجمع بين العلاج النفسي والدوائي، خاصة في الحالات المتوسطة إلى الشديدة، ويجب أن تكون الخطة العلاجية مخصصة لكل امرأة وفق حالتها الصحية وأعراضها وظروفها الخاصة. كما يُعدّ نمط الحياة الصحي جزءًا مهمًا من العلاج والوقاية، ويشمل تنظيم النوم والراحة، والتغذية المتوازنة، وشرب الماء، وممارسة الرياضة بانتظام.
ما أبرز المفاهيم الخاطئة حول الصحة النفسية للمرأة بعد الولادة وقبل انقطاع الطمث؟
من أبرز المفاهيم الخاطئة:
- كل الأعراض سببها الهرمونات فقط: تتداخل عوامل هرمونية وبيولوجية ونفسية واجتماعية.
- الولادة الطبيعية تمنع اكتئاب ما بعد الولادة: يمكن أن يحدث الاكتئاب حتى من دون مضاعفات في الحمل أو الولادة.
- اكتئاب ما بعد الولادة يبدأ مباشرة: قد تظهر الأعراض خلال أول أربعة أسابيع وحتى السنة الأولى.
- طلب العلاج دليل ضعف: طلب المساعدة خطوة مسؤولة تدعم صحة المرأة وعلاقتها بطفلها وأسرتها.
- العلاج الدوائي يستمر مدى الحياة: تختلف مدة العلاج حسب الحالة وشدة الأعراض والاستجابة.
- ما قبل انقطاع الطمث يبدأ عند الخمسين: قد يبدأ قبل ذلك، وأحيانًا في أوائل الأربعينيات.
- وجود الدورة يعني عدم بدء المرحلة: يمكن أن تستمر الدورة مع حدوث تغيرات أو عدم انتظام بسبب التقلبات الهرمونية.
ما الرسالة التي تودّين توجيهها لكل امرأة تعاني بصمت من أعراض نفسية خلال هاتين المرحلتين، ومتى يجب عليها طلب المساعدة من المختص؟
الرسالة الأهم لكل امرأة تعاني بصمت: “لا تستهيني بما تمرّين به، ولستِ وحدك”. الأعراض النفسية بعد الولادة أو خلال مرحلة ما قبل انقطاع الطمث لا تعني ضعفًا أو تقصيرًا، والصحة النفسية جزء أساسي من صحة المرأة. يُنصح بطلب المساعدة عندما تكون الأعراض مستمرة أو شديدة، أو تؤثر في النوم أو العمل أو العلاقات أو القدرة على العناية بالنفس والعائلة. أما الأفكار الانتحارية أو إيذاء النفس أو الطفل، والهلاوس أو فقدان الاتصال بالواقع، فتستدعي تقييمًا طبيًا عاجلًا. لا تعاني بصمت؛ طلب المساعدة خطوة نحو التعافي، والدعم يبدأ بالاستماع والفهم والمساندة.



