تكنولوجيا

قوة البيانات في تحويل الرعاية الصحية

قوة البيانات في تحويل الرعاية الصحية

مدير عام في شركة “سيرنر الشرق الأوسط وأفريقيا” ودولة الإمارات العربية المتحدة والكويت

أكرم سامي

يسر مجلة “المستشفى العربي” أن تلتقي مدير عام في شركة “سيرنر الشرق الأوسط وأفريقيا” ودولة الإمارات العربية المتحدة والكويت أكرم سامي، والدكتور محمد آل ريس، الطبيب التنفيذي الأول، للحديث عن قوة البيانات في تحويل الرعاية الصحية.

هل يمكنك توضيح الأهمية المتزايدة لإستخدام البيانات والتحليلات والذكاء الإصطناعي في مستقبل الرعاية الصحية والحفاظ على صحة مجتمعاتنا بشكل إستباقي – بما في ذلك إدارة صحة السكان وإدارة الأمراض المزمنة؟

تتزايد أهمية تحليلات الرعاية الصحية مع زيادة المنافسة والتعقيد التنظيمي المتنامي والإبتكارات الأخرى التي تتراوح من الطب الدقيق إلى الرعاية القائمة على القيمة وإلى إدارة صحة السكان. أمّا اليوم، يثق أصحاب المصلحة في صناعة الرعاية الصحية في أنّ منصّة التحليلات القوية والمجدية لديها القوة المحتملة لتحويل مؤسسة الرعاية الصحية وتمييزها عن المنافسة.

مع توفّر المزيد من البيانات من المصادر مثل السجلات الصحية الإلكترونية، ومطالبات التأمين، والأجهزة الطبية القابلة للإرتداء، ووسائل التواصل الاجتماعي، والمرضى أنفسهم إلخ، يمكن للتحليلات أن تساعد بشكل متزايد في إكتشاف الأنماط في المعلومات. فقد يوفّر ذلك رؤى قابلة للتنفيذ من أجل توقّع البدائل وتصوّرها وهي قد لا تكون واضحة بغير ذلك. في شركة “سيرنر”، نواصل العمل مع عملائنا لتقديم تحليلات مجدية في جميع نقاط الرعاية، ونساعدهم في تحسين سير العمل من خلال البيانات والتحليلات لتخفيف التكلفة والهدر مع مواصلة تحسين الجودة والسلامة. بالإضافة إلى ذلك، تقوم “سيرنر” بتزويد عملائنا برؤى قابلة للتنفيذ للسكان وإدارة المخاطر وبرامج إدارة الأمراض المزمنة.

لقد قطع الذكاء الإصطناعي شوطًا طويلاً ويمكنه المساعدة في إدارة البيانات وتحليلها واتخاذ القرارات وإجراء المحادثات. وبالتالي، من المقدر له إحداث تحول جذري في صناعة الرعاية الصحية وتغيير أدوار الأطباء والممارسات اليومية. ووفقًا لنتائج إستطلاع أجرته ستانفورد ميديسن وإستطلاع هاريس1، يقضي الطبيب 62٪ من وقته مع المريض في السجلات الصحية الإلكترونية. لذا، يتمتع الذكاء الإصطناعي بالقدرة على تولي مهمّة إدخال البيانات التي تستغرق وقتًا طويلاً حتى يتمكن الأطباء من التركيز على توفير رعاية ذات جودة عالية جدًا للمرضى. كما يمكن أيضًا إستخدام هذه التقنية لتحسين سير عمل الأطباء مع المساهمة في الوقت نفسه في تخفيف الإرهاق والوقاية منه.

على سبيل المثال، تخيّل عالمًا حيث يمكن لمقدم الخدمة أن يدخل غرفة الفحص، فيقوم بإجراء محادثة مع المريض، وإكمال الفحص البدني، ومناقشة خيارات العلاج، ثم الخروج من الغرفة وقد تمّ توثيق جميع البيانات السريرية المنفصلة، وتمّ تقديم طلبات الشراء، وإنجاز الملاحظات ودفع أجرة الطبيب.

ففي “سيرنر”، أصبحت هذه الرؤية حقيقة حيث يتم تصميم صفائف الميكروفون وأجهزة الاستشعار والفيديو والمدخلات الأخرى لمراقبة التفاعلات بين المريض ومزوّد الخدمة، وتدوين تلك اللقاءات وربطها ببيانات الإستشعار. كما يمكن أن تقوم المفاهيم السريرية الرئيسية المستخرجة من النصوص والإشارات غير اللفظية المستمدة من بيانات الإستشعار بتوفير معلومات تكميلية للمساعدة في تحديد المتحدّث والتواصل غير اللفظي.

في السنوات القليلة المقبلة، سيقوم الذكاء الإصطناعي بتغيير صناعة الرعاية الصحية بسرعة والطريقة التي يتفاعل بها الأطباء مع السجلات الصحية الإلكترونية. وستتحوّل أيضًا تصوّرات الأطباء حول السجلات الصحية الإلكترونية حيث ستصبح التكنولوجيا أداة ثمينة تمكّنهم من ممارسة الطب بثقة، وإقامة علاقات مفيدة مع المرضى الذين يخدمونهم والحفاظ عليها.

ما هو دور إدارة البيانات وأمنها عند البحث عن إبتكار قائم على البيانات؟

بهدف الإستمرار في بيئة الرعاية الصحية الرقمية اليوم، فإنّ جودة بيانات المنظمة ودقتها واكتمالها هو أمر ضروري. نظرًا لأنّ صناعة الرعاية الصحية تركّز بشكل متزايد على تحليلات البيانات، فإنّ جودة البيانات ومدّة الحفاظ عليها لهما أهمية قصوى لتنمية منظمة غنية بالمعلومات. 

ويتطلب إنشاء هذه الثقافة الغنية بالمعلومات إستراتيجيات قوية لإدارة البيانات وأمنها، ممّا يضمن تنظيف أصول البيانات وإدارتها وتخزينها واسترجاعها وصيانتها واستخدامها ومشاركتها وحمايتها في جميع أنحاء المؤسسة. يجب إدارة البيانات لضمان تحقيق تكافؤ الفرص للجميع. ففي مجال الرعاية الصحية، هناك العديد من نقاط البيانات المترابطة، ولكن الطريقة التي ينظر بها الناس إلى نقاط البيانات هذه من وجهات نظر مختلفة، يمكن أن تسبّب تفسيرات مختلفة قد تؤدي إلى سوء تفاهم أو قرارات غير دقيقة أو عدم ثقة في البيانات. فلا يقتصر برنامج إدارة البيانات القوي على تقديم التعريفات فحسب، بل يشمل أيضًا الغوص في مستوى البيانات، تحديد المصدر أو المصادر، وجدولها ومواقعها الميدانية، والقيم المقبولة للبيانات والإختصارات أو الأسماء البديلة.

إنّ إستراتيجية أمن البيانات هي ذات أهمية قصوى أيضًا ولا يمكن الإستهانة بها أو إهمالها. ففي عام 2019، تضاعفت خروقات بيانات الرعاية الصحية ثلاث مرات، ممّا أثر على 41 مليون سجل، مقارنةً بـ 15 مليون سجل للمرضى في العام الماضي، وفقًا لـ Protenus Breach Barometer2.

مع هذا الإتجاه المتزايد والمخاطر المحتملة من حيث خصوصية المريض والمصداقية التنظيمية والتداعيات المالية، من الضروري أن تضع أنظمة الرعاية الصحية تدابير لحماية بيانات الرعاية الصحية. كما أنّ المبادئ التوجيهية والتشريعات الوطنية ضرورية لإرساء أسس جميع النظم الصحية للإمتثال والإلتزام بها. مع زيادة التنقل والوصول إلى البيانات من خلال التشغيل المتبادل والأتمتة لدعم تحسين نتائج المرضى وصحة السكان، يجب وضع إرشادات تقنية صارمة وبروتوكولات الخصوصية والأمن الوطنية. وقد قامت العديد من المنظمات، مثل المعهد الوطني الأميركي للمعايير والتكنولوجيا وآيزو، بتقديم التوجيهات المطلوبة لإنشاء هذه البروتوكولات.

1. http://med.stanford.edu/content/dam/sm/ehr/documents/EHR-White-Paper.pdf

2. https://healthitsecurity.com/news/the-10-biggest-health care-data-breaches-of-2019-so-far

 طبيب تنفيذي أول

د. محمد آل ريس

ما هو الوضع الحالي لممارسات مشاركة البيانات و“سيولة” بيانات الرعاية الصحية في الشرق الأوسط؟ وما هو تأثيرها على توليد رؤى قابلة للتنفيذ للصناعة؟

هذا بالفعل سؤال مهم للغاية. لقد قطعنا شوطًا طويلاً خلال العقد الماضي في رقمنة صناعة الرعاية الصحية الإقليمية، والتقدم العام إيجابي بالتأكيد. ومع ذلك، لا يزال هناك العديد من الحواجز والصوامع الخاصة بمشاركة البيانات في المنطقة والموجودة على كل المستويات العامودية والأفقية. هناك الحواجز المشتركة بين الإدارات في المنظمات الفردية، وبين المنظمات في أسواق الرعاية الصحية المحلية، وبين الصناعات داخل الحدود الجغرافية للبلدان. إسمح لي أن أقدم لك بعض الأمثلة على ذلك. من ناحية، ما زلت تجد الإنقطاع بين قواعد البيانات السريرية والتشغيلية والمالية المختلفة حتى داخل مؤسسات الرعاية الصحية الأكثر رقمية. وبالتالي، فإنّ عملية إتخاذ القرارات التنظيمية تستند إلى قطع مجزأة من اللغز تؤدي إلى حلول غير متماسكة لمشاكلهم. 

من الناحية الثانية، تجد المرضى الذين تتوزع بياناتهم السريرية عبر مختلف مؤسسات الرعاية الصحية، كل منها يحتوي فقط على جزء من الصورة السريرية الحقيقية للمريض، بدون بروتوكولات قوية لتبادل المعلومات الصحية عبر مختلف المنظمات. 

من الناحية الثالثة، تجد أنّ الإنقطاع بارز جدًا بين صحة السكان والرعاية التي يتلقونها. فلا يتم تحديد صحة السكان فقط من خلال الرعاية المقدمة داخل الجدران الأربعة للمستشفيات والعيادات، ولكن أيضًا من خلال العوامل الإجتماعية المحدّدة للصحة ونمط الحياة والعادات اليومية التي تؤثر على جودة صحتهم أكثر بكثير من أي لقاء واحد مع الطبيب. فأين يقع هذا النوع من البيانات الآن؟ إنه في أجهزتنا القابلة للإرتداء، إنه على هواتفنا الذكية، إنه موجود في حساباتنا المصرفية وسلوك الإنفاق لدينا، كما أنه موجود حتى في تفاعلاتنا على شبكتنا الإجتماعية. إنه موجود في كل مكان ما عدا السجلات الطبية. وعلى الرغم من أنّ الخصوصية قد تكون مصدر قلق للبعض، إلا أنّ صناعة التكنولوجيا توفر لنا بالفعل أدوات لإخفاء هوية البيانات الشخصية لصانعي القرار الإستراتيجيين، وآليات الحماية للأفراد لمنع الآخرين من الوصول إلى بياناتهم أثناء جني فوائد الرؤى الشخصية. وكما تعلم، هناك العديد من القيود في الوقت الحالي على تدفق البيانات عبر الحدود الجغرافية السياسية بين البلدان في المنطقة. أنا لا أشير بشكل خاص إلى مشاركة بيانات الرعاية الصحية بين مختلف البلدان، والتي يمكن أن تفتح مجموعة جديدة من الفرص، ولكن هذه حجة تستخدم في وقت مختلف. ما أشير إليه هو تدفق البيانات إلى البلدان التي تتوفر فيها تقنيات معينة لمزيد من المعالجة المتقدمة، مع الحفاظ على أمن البيانات المجهزة وخصوصيتها. عندما تجد مثل هذه الممارسات المقبولة كمعيار في الصناعات الإقليمية الأخرى، مثل القطاع المصرفي، فما زلنا نواجه مقاومة قوية في مجال الرعاية الصحية.

ولكي نستطيع خلق رؤى قابلة للتنفيذ لصناعة الرعاية الصحية، نحتاج إلى تطوير السياسة الصحيحة والأنظمة البيئية التكنولوجية لكسر كل هذه الصوامع. ففي نهاية المطاف، يتم تحديد جودة أي ذكاء إصطناعي أو رؤية ناتجة عن التحليلات من خلال جودة البيانات، كبيرة كانت أم صغيرة، التي تدخل فيها. وكلما ارتفعت جودة البيانات، من حيث الحجم والنطاق، كانت وجهات نظرنا شاملة أكثر، وبالتالي ستكون قراراتنا كذلك أيضًا.

ما رأيك في تبني إبتكارات الذكاء الإصطناعي في صناعة الرعاية الصحية الإقليمية؟ وهل نشهد مستويات تبني أعلى وسط جائحة( كوفيد- 19)؟

تقوم دول مختلفة في المنطقة، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، بوضع الذكاء الإصطناعي في قلب رؤاها المستقبلية وتطوير سياساتها، وهذه بالتأكيد خطوة في الإتجاه الصحيح. ومع ذلك، لا يزال هناك بعض الشك في المنطقة حول متانة الأدوات ودقتها وإنتاجها للرعاية الصحية. سيزول هذا الشك، عاجلاً أم آجلاً، لأنّ الأدلة قادمة وبسرعة من جميع أنحاء العالم. لدينا خيار هنا في المنطقة إمّا أن ننتظر حتى تصبح الأدلة أكثر متانة أو أن نساهم في خلقها.

قامت جائحة (كوفيد- 19) بتسهيل عملية إختيار الخيار الأخير على العديد من مؤسسات الرعاية الصحية والبحثية في الشرق الأوسط. 

فقد بدأنا نرى مشاريعهم المبتكرة التي تستخدم الذكاء الإصطناعي للإجابة على الأسئلة المهمة التي أثارتها الجائحة. من نماذج التعلم الآلي التي يمكن أن تتوقّع إحتمال إحتياج مريض مصاب بفيروس (كوفيد- 19) للدخول إلى العناية المركزة إلى النماذج التي تقسّم السكان إلى فئات ذات أولوية في الحصول على التلقيح – وحتى النماذج التي تحاول توقّع موجات العدوى القادمة المحتملة في مدن أو مناطق معينة؛ تظهر التجارب من عدّة دول في المنطقة. 

مع ذلك، ما زلنا نجد أنّ هذه المشاريع يتم تنفيذها على نطاقات صغيرة وتسعى جاهدة ليتم التحقق من صحتها على مجموعات بيانات أكبر وأكثر تمثيلاً. وبالتالي، جعلت مسألة مشاركة البيانات وإمكانية الوصول إليها أمرًا حاسمًا أكثر لحلّها.

يجب أن تنشأ هذه المشاريع وغيرها من مشاريع الذكاء الإصطناعي ونماذج التعلم الآلي من المنطقة ويجب التحقق من صحتها داخلها. ففي نهاية المطاف، لا يمكننا إستعارة النماذج التي تم تطويرها في مناطق أخرى وتطبيقها بطريقة التوصيل والتشغيل على سكاننا. فمن خلال تحديد هذه الجيوب الصغيرة من الإبتكار واحتضانها وتمكينها ونشرها، يمكن أن تزدهر صناعة الرعاية الصحية لدينا في عصر المعلومات 2.0.  وتقع على عاتق كل فرد في الصناعة مسؤولية إتخاذ زمام المبادرة لدعم “الوضع الطبيعي الجديد”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى