مئة عام من العطاء والشفاء: قصة المركز الطبي للجامعة اللبنانية الأميركية – مستشفى رزق
مئة عام من العطاء والشفاء: قصة المركز الطبي للجامعة اللبنانية الأميركية – مستشفى رزق

قبل مئة عام، في قلب بيروت، افتتح طبيب شاب طموح، عائد من باريس، عيادة صغيرة بعد إنهاء تخصصه، وكانت تضم 12 سريرًا و3 ممرضات فقط. لم يكن الدكتور توفيق رزق يتصور حينها، المسار الذي ستسلكه هذه المؤسسة المتواضعة. وبعد أن التقى بشريكة حياته، أولغا طبيبا، شكّل معها عائلة كرّست حياتها للطب وتجذّرت في المجال الطبي، إذ نقل الدكتور توفيق رزق شغفه إلى أولاده الأربعة: أسعد وبيير وبول، الذين أصبحوا أطباء أيضًا، ومنى التي تخصصت بالتمريض وتقنية العمليات الجراحية.

وأُسست في العام 1925 “عيادة الدكتور رزق”، قرب محطة ترامواي الناصرة – في منطقة السوديكو، والتي كان مقدّرًا لها أن تصبح مركزًا طبيًا مرتبطًا بالجامعة اللبنانية الأميركية، فأصبحت أكثر من مجرد مستشفى إذ تحولت إلى ملاذ للرعاية الصحية ومنبر للابتكار الطبي وركن أساسي في خدمة المجتمع.
فقد شهدت العيادة توسعًا سريعًا وانتقلت مع حلول العام 1927 إلى رأس النبع، ثم وجدت عام 1934 مقرًا أكبر في منطقة بسطا الفوقا. إذ لم يكن انتقال المستشفى خطوة نحو النمو فقط، بل شكّل دليلًا على الثقة المتزايدة من سكان المدينة واعتمادهم عليها، فيما كان فريق العمل قلب العيادة النابض وسرّ نجاحها، من الطاقم المخلص إلى الممرضات المتميزات بالحنان والأخوات الراهبات اللواتي انضممن إليها، ليضفن دفئًا ورعاية تتجاوز جدران غرف العمليات.
وفي العام 1957، بدأ الفصل الحاسم في تاريخ المستشفى مع افتتاح المبنى A في الأشرفية، في حضور رئيس الجمهورية آنذاك كميل شمعون، ما أظهر تزايد مكانة المستشفى. وقد تحقق هذا النجاح ليس فقط من خلال التفاني الطبي، بل أيضًا بفضل الدعم المعنوي والمالي المستمر من شقيق الدكتور توفيق رزق، عبد الله رزق. وانضمت بعدها راهبات إيطاليات من رهبنة الفرنسيسكان لقلب مريم الطاهر، ولاحقًا الأخوات السوريات من الخنشارة، ليصبحن ركنًا أساسيًا في المستشفى، مجسدات فلسفة مفادها أن الرعاية لا تقوم على الكفاءة الطبية فقط، بل على الإنسانية أيضًا.

أما ستينيات وسبعينيات القرن الماضي فشهدت انضمام جيل جديد إلى المستشفى مع عودة الدكتور أسعد رزق، نجل المؤسس الدكتور توفيق رزق، من باريس حيث تلقى تدريبه كطبيب مقيم ومتخصص في جراحة المسالك البولية وعمل أستاذًا مساعدًا في التخصص نفسه في فرنسا. وتولى القيادة، إلى جانب والده، فأدخل خدمات حديثة، منها “مركز غسيل الكلى” الذي كان أحد أول المراكز في لبنان. وفي العام 1971، أطلقت “مؤسسة مستشفى رزق” أول بنك دم غير ربحي في لبنان والذي أصبح لاحقًا المركز اللبناني لنقل الدم، مشكّلًا شريان حياة لعدد لا يُحصى من المرضى، ورمزًا لالتزام المستشفى بالصحة العامة.
وانضمّ الى المستشفى العديد من اشهر الاطباء، اذذاك في مختلف الاختصاصات الجراحية و الطبية. وخلال الحرب الاهلية اللبنانية، بقي المستشفى صامداً، من دون أن يغلق أبوابه يوماً واحداً، ورغم صعوبة الظروف والفوضى، إلا أنه تم افتتاح المبنى “B”، مستقبلاً المرضى والجرحى، فشكّل رمزاً مؤثّراً للصمود والالتزام بالرعاية. كما استمر المستشفى في الابتكار، فكان سبّاقاً في العام 1985 بإجراء أول عملية زرع كلى في لبنان، فضلاً عن تحقيقه سلسلة من الإنجازات الطبية، منها إجراءات متقدمة في قسطرة القلب التداخلية مثل الدعامات الناتئة وإجراء TIPS وتوسيع الصمام الميترالي عبر الجلد، وبذلك ساهم في النهضة الطبية التي شهدها لبنان مساهمة فعالة.

وكان العام 1990، عاماً عزّز فيه المستشفى مكانته القيادية في مجال زراعة الأعضاء، من خلال انضمامه إلى “البرنامج الوطني للأعضاء”، وهي خطوة محورية ساهمت في ترسيخ دوره في تطوير التبرع بالأعضاء وإجراء العمليات الجراحية المنقذة للحياة في لبنان. ثم في العام 1991، انضم جيل ثالث من عائلة رزق إلى فريق الإدارة، ممثلاً بسامي رزق، ابن الدكتور أسعد رزق، الذي كتب فصلاً جديداً من القيادة والاستمرارية، والحفاظ على رؤية العائلة وإرثها. وتم بناء المبنيين “C” و”D”، الأمر الذي ساهم في توسيع المستشفى وتوطيد رسالته في التقدم المستمر في مجال الرعاية الصحية، خاصة و انه اعتمد المعايير الأكاديمية في العلاج مما جعله في مصاف كبرى المستشفيات الجامعية في لبنان.

أما في العام 2009، فكانت شراكة الجامعة اللبنانية الأميركية مع المستشفى علامة فارقة أخرى، مؤكداً مهمة المستشفى المزدوجة في التميز السريري والريادة الأكاديمية، وبات هذا الإنجاز التاريخي ممكناً بفضل الثقة المتبادلة والصداقة والتفاهم بين الدكتور جوزيف جبرا والدكتور أسعد رزق. وقد ضمنت رؤيتهما المشتركة بقاء المستشفى مركزاً أساسياً للتعليم الطبي للأطباء الشباب، محافظاً على استدامة التميز في هذا المجال.

في السنوات الأخيرة، ومع تعيين السيد سامي رزق بمنصب الرئيس التنفيذي، واصل المركز الطبي للجامعة اللبنانية الأميركية – مستشفى رزق قيادة قطاع الرعاية الصحية في لبنان من خلال الابتكار والتعاطف والتفاني الثابت. وعلى الرغم من التحديات الكبيرة التي عصفت بلبنان والجسم الطبي فيه، بدءًا من الأزمة الاقتصادية، مرورًا بانفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، وصولًا إلى جائحة كورونا والحرب الإسرائيلية على لبنان في عام 2024، لم يتزعزع المستشفى يومًا، بل بقي مفتوحًا دائمًا أمام أبناء مجتمعه، مقدمًا الرعاية الأساسية، مما سلط الضوء على المثابرة والعمل الجماعي والوفاء لفريق عمل المركز الطبي للجامعة اللبنانية الأميركية – مستشفى رزق.

لطالما لعبت المستشفيات الجامعية دورًا أساسيًا خلال هذه الأزمات الأخيرة، حيث كانت عمودًا فقريًا للنظام الصحي اللبناني.
وكان المركز الطبي للجامعة اللبنانية الأميركية – مستشفى رزق واحدًا منها محققًا إنجازات بارزة في مجال التميز الطبي:
- عام 2018 افتتح أول مركز شامل للسكتة الدماغية في لبنان، مما ساهم في رفع معدلات نجاة المرضى وتعافيهم.
- عام 2020 أطلق برنامج العيادة المتنقلة لتقديم الرعاية للمجتمعات الأكثر ضعفًا من خلال توفير فحوص PCR وتأمين الخدمات الطبية الأساسية ورفع مستوى الوعي، كما افتتح في العام نفسه قسمًا جديدًا للأذن والأنف والحنجرة.
- عام 2021 استقبل المستشفى مرضاه في قسم طوارئ حديث مزوّد بأفضل أجهزة التصوير الطبي وقدرات الاستجابة السريعة.
- عام 2022 دشّن أول غرفة عمليات هجينة في لبنان تجمع بين الدقة الجراحية والتقنيات المتقدمة للتصوير الطبي.
- عام 2025 أقام برنامج الوقاية الصحية التنفيذي (EHPP)، بالتوازي مع إعادة تأهيل المبنى “D” المنفّذ خصيصًا لتقديم العلاجات المتقدمة والتقنيات الجراحية الحديثة.
لم يكن مستشفى رزق، على مدى قرن من الزمن، مجرد مبانٍ وتجهيزات بل كان شريكًا أساسيًا للمجتمع وميدانًا لتدريب أجيال من الأطباء والممرضين والصيادلة وغيرهم من الكوادر الصحية. كما تميز بكونه مكانًا تلتقي فيه الإنسانية مع الخبرة والتميّز الطبي، فبات الملاذ الآمن في أوقات الأزمات وفسحة الأمل للمرضى وعائلاتهم.
لقد أصبح مركزًا طبيًا أكاديميًا يداوي الأجساد ويلامس القلوب، حاضرًا أبدًا من أجل أبناء مجتمعه ومركزًا على رفع مستوى الوعي لديهم والخدمات المجتمعية الرائدة ليكون منارة أمل حقيقية.
واليوم، مع احتفاله بمرور مئة عام على تأسيسه، حاملًا إرثًا مبنيًا على الشجاعة والرعاية والابتكار، يواصل مسيرته بثبات مستعدًا لمواجهة تحديات الغد مع وفائه للماضي. ومع مزيد من التوسع، يتطلع إلى قرن مقبل حافل بالنمو والابتكار، مساهمًا في بناء مستقبل أفضل للرعاية الصحية في لبنان والمنطقة.
مئة عام من الرعاية. إرثٌ من الإنسانية. مستقبلٌ مُكرّس للحياة والصحة والأمل.



