UCLA Health يفتح آفاقاً جديدة في زراعة الأعضاء بأول زراعة للمثانة في العالم
UCLA Health يفتح آفاقاً جديدة في زراعة الأعضاء بأول زراعة للمثانة في العالم

إنها الثانية فجراً. كان الدكتور نيما نصيري قد انتهى للتو من استئصال مثانة من متبرع لأغراض بحثية، وبدأ محاولة غسلها بمحلول خاص، في خطوة دقيقة وحاسمة لتحديد مدى قدرته على الحفاظ على التروية الدموية للعضو. لم تكن هذه المحاولة الأولى، إذ سبق أن خاض تجارب مماثلة لم تنجح جميعها.
لكن هذه المرة، نجحت المحاولة. بدأ الدكتور نصيري استكشاف إمكانات زراعة المثانة خلال جائحة كوفيد– 19، فانطلقت أبحاثه على الخنازير، قبل أن ينتقل إلى دراسة التقنية على الجثامين، وصولاً إلى الأعضاء والأنسجة البشرية المتبرع بها. وفي مايو 2025، حقق الدكتور نصيري والدكتور إندربير غيل إنجازاً طبياً غير مسبوق في مستشفى جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA Health)، عندما أجريا أول عملية زراعة مشتركة للمثانة والكلى لدى إنسان على مستوى العالم. وفي 23 يونيو، نشرت مجلة The Lancet ورقتهما العلمية التي عرضت بالتفصيل أول تجربة جدوى لزراعة المثانة لدى الإنسان. وقد أجرى الجرّاح، البالغ من العمر 38 عاماً ومدير برنامج زراعة المثانة في UCLA، عمليتين إضافيتين لزراعة المثانة والكلى ضمن تجربة سريرية مستمرة. ويقول: «أعرف المسار الذي سأسلكه من هنا. أرى الطريق أمامي».
أول عملية زراعة للمثانة
تُعد زراعة المثانة من العمليات بالغة التعقيد، نظراً إلى التركيب الدقيق للأوعية الدموية في منطقة الحوض، وما تتطلبه العملية من مهارة تقنية عالية لاستئصال العضو والحفاظ عليه، ثم إعادة إنشاء ترويته الدموية بنجاح بعد الزراعة. في أبريل 2024، التقى فريق زراعة المثانة أول مريض مرشح للعملية في عيادة التقييم الجراحي، وهو أوسكار لارينزار .وكان الدكتور نصيري قد شارك ضمن الفريق الجراحي الذي استأصل كليتي لارينزار المتوقفتين عن العمل عام 2020. وكان لارينزار قد نجا أيضاً من نوع نادر من سرطان المثانة، إلا أن المرض تركه مع مثانة فاقدة للوظيفة، كما اضطر إلى الخضوع لغسيل الكلى لسنوات. وبعد أكثر من عام بقليل على زيارته في أبريل 2024، أصبح لارينزار أول شخص في العالم يخضع لزراعة المثانة.
ولم يكن إجراء عملية من هذا النوع للمرة الأولى عالمياً ممكناً من دون تخطيط دقيق ومكثف، وإشراف تنظيمي صارم، والحصول على موافقات عدد من مجالس ولجان المراجعة المختصة.
ويقول الدكتور نصيري: “لم يكن من الممكن أن تصبح زراعة المثانة واقعاً إلا في UCLA، بفضل الثقافة التي تدعم العلاجات المبتكرة، وبفضل التاريخ العريق لقسم المسالك البولية وإسهاماته السريرية والعلمية في مجال زراعة الكلى”.
كما أشاد بالدور الذي أدّته OneLegacy، الشريك المسؤول عن توفير الأعضاء UCLA. وقد استقطب هذا الإنجاز اهتماماً إعلامياً واسعاً على مستوى الولايات المتحدة، كما اختارت TIME100 Health الدكتور نصيري ضمن قائمة أبرز 100 شخصية تسهم في رسم مستقبل الطب.
أمابالنسبةإلىلارينزار،البالغمنالعمر 43 عاماً، فقد شكلت العملية تحولاً جذرياً في حياته. إذ بدأت الكلية والمثانة المزروعتان العمل مباشرة، وتمكن من التبول بصورة طبيعية للمرة الأولى منذ سبع سنوات. ويقول لارينزار: “النتيجة فاقت كل توقعاتي. أشعر وكأنني أعيش حياة طبيعية من جديد”.
من جرّاح إلى مبتكر في زراعة الأعضاء
لم يدخل الدكتور نصيري عالم الطب بهدف تحقيق إنجاز تاريخي؛ بل كان يريد ببساطة أن يصبح جرّاحاً مثل شقيقه الأكبر. ويصف قبوله في كلية ديفيد غيفن للطب في UCLA بأنه كان «لحظة تحول» في حياته، أتاحت له التعرف عن قرب إلى الإمكانات الكبيرة التي يتمتع بها قسم المسالك البولية في UCLA. وخلال فترة تدريبه في اختصاص المسالك البولية، عمل الدكتور نصيري مع الدكتور جيفري فيل ، أحد روّاد زراعة الكلى القائمة على مفهوم التحمل المناعي (Tolerance)، الذي يهدف إلى الاستغناء عن الحاجة إلى الأدوية المثبطة للمناعة مدى الحياة لمنع الجسم من رفض العضو المزروع.
وبعد تخرجه، أكمل الدكتور نصيري برنامج الإقامة في USC، ثم عاد إلى UCLA Health لإتمام زمالة في زراعة الكلى، قبل أن ينضم عام 2025 إلى الهيئة الأكاديمية في كلية ديفيد غيفن للطب، بدعم مبكر من رئيس القسم آنذاك الدكتور مارك ليتوين. ويقول الدكتور ليتوين: “كانت زراعة المثانة محور اهتمام الدكتور نصيري الأساسي منذ استقطابه للانضمام إلى الهيئة الأكاديمية في UCLA.
من جهته، يعزو الدكتور نصيري جانباً كبيراً من نجاحه إلى العمل المتكامل بين مختلف أعضاء الفريق في UCLA Health.
مستقبل زراعة المثانة
مع تبقي عمليتين لزراعة المثانة والكلى لاستكمال التجربة السريرية، يتطلع الدكتور نصيري إلى الانتقال بهذه التقنية إلى مرحلة جديدة، بما يتيح توفيرها لعدد أكبر من المرضى مستقبلاً. وقد تكون زراعة المثانة خياراً مناسباً بشكل خاص للأشخاص المصابين بمرض المثانة في مراحله النهائية، ممن يتلقون بالفعل علاجاً مثبطاً للمناعة أو سيحتاجون إليه. وفي الوقت نفسه، يجري تدريب الأطباء المقيمين وأطباء الزمالة على التقنية الجراحية، فيما يخطط أحدهم لنقل هذه الخبرة إلى برنامجه الطبي في كندا. أما الخطوة التالية، فتتمثل في إتاحة زراعة المثانة للأطفال.
ويشرح الدكتور نصيري: “يُعد فشل المثانة أحد الأسباب الرئيسية التي قد تؤدي إلى الفشل الكلوي لدى الأطفال والمراهقين. وفي غياب خيار زراعة المثانة، يخضع هؤلاء الأطفال لإعادة بناء المسالك البولية باستخدام أجزاء من الأمعاء، وهي إجراءات قد ترتبط بمضاعفات تستمر مدى الحياة”.
ويطمح الدكتور نصيري إلى الجمع مستقبلاً بين زراعة المثانة والكلى وبرنامج التحمل المناعي الذي يقوده الدكتور فيل، بحيث يتمكن متلقو الأعضاء من الاستغناء عن الأدوية المضادة لرفض الأعضاء وما قد يرتبط بها من آثار سمية.
ويلخص رؤيته قائلاً: “الحالة المثالية بالنسبة إليّ هي أن يكون لدينا مريض لا تعمل لديه الكليتان ولا المثانة، فنزرع له كلية ومثانة، ثم نتمكن من إيقاف العلاج المثبط للمناعة، ليعيش بعد ذلك حياة طبيعية”. ومع ما تحقق حتى الآن، يتطلع الدكتور نصيري إلى مستقبل يحمل إمكانات أوسع لزراعة المثانة، وإلى تطوير هذا العمل والارتقاء به إلى مرحلة جديدة، مستفيداً من الدعم والخبرات المتكاملة في UCLA Health.



