كليات الطب

رأي طبي ثانٍ يفتح آفاقًا علاجية جديدة لمريضة مصابة بورم معقّد في جذع الدماغ

رأي طبي ثانٍ يفتح آفاقًا علاجية جديدة لمريضة مصابة بورم معقّد في جذع الدماغ

مستشفى جامعة شيكاغو

تُشيد مريم حمود بأطبائها لحرصهم على البحث عن «كل الإجابات الممكنة» لتوجيه مسار علاجها

عندما علمت مريم حمود بوجود ورم في عمق جذع الدماغ لديها، وجدت نفسها أمام خيار صعب: الخضوع للعلاج من دون أخذ خزعة، مع احتمال عدم فعاليته، أو أخذ عيّنة نسيجية للفحص من إحدى أكثر مناطق الجسم حساسية. يضمّ جذع الدماغ مسارات عصبية حيوية تتحكّم في الحركة والإحساس والكلام والبلع. وقد تترتّب على أي إصابة في هذه المنطقة، مهما كانت طفيفة، عواقب خطيرة.

وفي هذا السياق، قال الدكتور يوسف قمير، رئيس قسم أورام الجهاز العصبي وجرّاح الأعصاب في UChicago Medicine: “هامش الخطأ في هذه المنطقة ضيّق للغاية”.

ورأى الأطباء الذين أشرفوا على حالة حمود في البداية أن إجراء الخزعة ينطوي على مخاطر كبيرة، وعرضوا عليها البدء بالعلاج الإشعاعي استنادًا إلى مظهر الورم في صور الأشعة. لكنها أرادت معرفة المزيد عن طبيعته.

وقالت: «كيف يمكن علاج حالة من دون معرفة ماهيتها؟ أردت أن أفهم طبيعة هذا الورم لأتمكّن من اتخاذ القرار الأنسب بشأن الخطوات المقبلة».

وكانت حمود قد قرأت عن عملية جراحية معقّدة في الحبل الشوكي لطفل صغير، أُجريت في جامعة شيكاغو للطب بعد تعرّضه لحادث سير خطير. فحجزت موعدًا مع الدكتور محمد بيضون، رئيس قسم جراحة الأعصاب، الذي أحالها إلى الدكتور قمير لتقييم حالتها.  وقد غيّر هذا الرأي الطبي الثاني مسار علاجها.

الدكتور يوسف قمير، رئيس قسم أورام الجهاز العصبي في UChicago Medicine

فريق طبي جديد بعد تشخيص صادم

كانت مريم حمود تخضع بانتظام لفحوص التصوير بالرنين المغناطيسي لمراقبة ورم غُدّي نخامي دقيق (Pituitary Microadenoma)، وهو ورم حميد يصيب الغدة النخامية.

وفي مايو 2025، بدأت تعاني صداعًا شديدًا وإرهاقًا وتقيؤًا. واعتقدت حمود، وهي محاسبة تبلغ من العمر 29 عامًا، أن التوتر قد يكون سبب هذه الأعراض. لكن فحص الرنين المغناطيسي كشف هذه المرة عن ورم في جذع الدماغ، وهو الجزء الذي يربط الدماغ بالحبل الشوكي. وقالت حمود: “تغيّرت حياتي في لمح البصر”.

وعند وصولها إلى UChicago Medicine، راجع الدكتور قمير وفريق متعدّد التخصّصات صور الأشعة الخاصة بها، وبحثوا إمكانية الحصول على عيّنة نسيجية من جذع الدماغ بأمان. وكان تكوين صورة شاملة ودقيقة عن الحالة أمرًا بالغ الأهمية بالنسبة إلى الدكتور قمير، إذ بات علاج أورام الدماغ يعتمد بصورة متزايدة على الخصائص الجزيئية والجينية للورم، إلى جانب مظهره في صور الرنين المغناطيسي.

وقال: “قبل إخضاع مريضة شابة لعلاج قد تترتّب عليه آثار ترافقها مدى الحياة، أردنا أن نفهم بدقة طبيعة الورم الذي نتعامل معه”.

وقد قدّرت حمود هذا النهج، وقالت: “لم يُرِد الدكتور قمير اتخاذ قرار علاجي من دون معلومات كافية، بل سعى إلى الحصول على كل الإجابات الممكنة قبل اتخاذ قرار قد يؤثّر في بقية حياتي”.

خزعة معقّدة تغيّر الخطة العلاجية

جعل موقع الورم إجراء خزعة تقليدية بالإبرة أمرًا بالغ الصعوبة. لذلك، لجأ الدكتور قمير وفريقه في جامعة شيكاغو للطب إلى نهج جراحي مفتوح يتيح الوصول إلى الورم مع حماية المسارات العصبية المتراصّة بكثافة حوله. وساعدت تقنية تتبّع الألياف العصبية بالرنين المغناطيسي (MRI Tractography) الفريق على رسم خريطة ثلاثية الأبعاد للمسارات العصبية الحيوية، وتخطيط ممر جراحي للوصول إلى الورم.

وفي مارس 2026، نجح الجرّاحون في الحصول على عيّنة نسيجية من ورم جذع الدماغ لدى حمود، من دون التسبّب بأي ضرر عصبي. وقد وفّرت الخزعة معلومات حاسمة؛ إذ أظهرت الفحوص الجزيئية أن الورم يحمل طفرة في جين IDH1، ما أتاح للأطباء التوصية بعلاج موجّه يتناسب مع خصائصه الجزيئية، هو دواء فوراسيدينيب (Vorasidenib). ويُؤخذ هذا الدواء عن طريق الفم لعلاج أنواع معيّنة من الأورام الدبقية التي تحمل طفرات في جينات IDH.

وأوضح الدكتور قمير: “زوّدتنا الخزعة بمعلومات غيّرت جذريًا الخيارات العلاجية التي يمكننا تقديمها لها. فلولا الحصول على عيّنة نسيجية، لما عرفنا أن هذا العلاج الموجّه متاح لحالتها”.

وبالنسبة إلى حمود، أتاح ذلك تأجيل العلاج الإشعاعي. كما أبرزت تجربتها أهمية الحصول على رأي طبي ثانٍ، والتقييم في مركز يمتلك الخبرات المتخصّصة والتقنيات اللازمة للتعامل مع الحالات العصبية المعقّدة.

وأضاف الدكتور قمير: “طلب رأي طبي ثانٍ لا يعني أن الرأي الأول كان خاطئًا، بل يعني البحث عن خيارات إضافية قبل اتخاذ قرار قد يؤثّر في بقية حياة المريض”.

أهمية الرعاية متعدّدة التخصّصات

يُشيد الدكتور قمير بدور اختصاصيي الأشعة العصبية، والتخدير العصبي، وعلم الأمراض العصبية، وأطباء أورام الجهاز العصبي، واختصاصيي العناية المركّزة العصبية، إلى جانب فرق التمريض، الذين يعملون معًا لتقييم حالة كل مريض ووضع خطته العلاجية.

وقال: “في مركز يضمّ خبراء في جميع هذه التخصّصات، نستطيع تقييم الحالة من زوايا متعدّدة، وتحديد ما إذا كانت هناك خيارات لم تكن واضحة في البداية”.

ويُسهم هذا التعاون في تطوير رعاية أكثر تخصيصًا، من خلال الجمع بين علم الأمراض الجزيئي، وتقنيات التصوير المتقدّمة، والجراحة، والعلاج الإشعاعي، والعلاجات الموجّهة، لوضع خطط علاجية تراعي الخصائص البيولوجية للورم وموقعه. وسيوجّه هذا النهج العمل في مركز أبفي فاونديشن للسرطان (AbbVie Foundation Cancer Pavilion) الجديد التابع لجامعة شيكاغو للطب، والمقرّر افتتاحه في أبريل 2027، ليكون أول منشأة مستقلة في ولاية إلينوي مخصّصة حصريًا لرعاية مرضى السرطان والأبحاث المتعلقة به.

وأضاف الدكتور قمير: “أؤمن إيمانًا راسخًا بأن الجمع بين بيولوجيا السرطان وعلوم الأعصاب والفيزيولوجيا العصبية والتقنيات الجراحية المتقدّمة يمكن أن يُحدث نقلة نوعية في علاج المرضى المصابين بأورام الدماغ”.

بفضل الرعاية المتكاملة والمتابعة الطبية المنتظمة، تواصل مريم حمود الاستمتاع بحياة نشطة

”المكان المناسب والفريق الطبي المناسب“

تشعر حمود اليوم بأنها بصحة جيدة، وتواصل الخضوع بانتظام لفحوص التصوير بالرنين المغناطيسي وتحاليل الدم، بإشراف الدكتورة لورين سينغر، اختصاصية أورام الجهاز العصبي في UChicago Medicine. وعلى الرغم من فعالية العلاج، تواصل الدكتورة سينغر وبقية أعضاء الفريق التخطيط للخطوات العلاجية المحتملة، تحسّبًا لأي تغيّر في سلوك الورم.

وقالت حمود: “طلبت مني الدكتورة سينغر أن أواصل الاستمتاع بحياتي، وأنا أستحضر كلماتها دائمًا. فهي تمنحني الكثير من الأمل والحافز”.

وإلى جانب التقنيات المتقدّمة والخبرات الجراحية التي أسهمت في إنقاذها، تُعرب حمود عن امتنانها للأطباء الذين أعادوا تقييم حالتها بعناية، بعدما بدت الخيارات العلاجية محدودة في البداية.

وقالت: “لقد رأوا فيّ إنسانة لها عائلة وأحلام وأهداف ومستقبل. أتأثّر كثيرًا عندما أفكّر في ذلك، لكنني أؤمن حقًا بأن كل خطوة في هذه الرحلة قادتني إلى المكان المناسب والفريق الطبي المناسب”.

الدكتور‭ ‬يوسف‭ ‬قمير
Youssef Comair‭, ‬MD

أستاذ‭ ‬جراحة‭ ‬الأعصاب‭ ‬ورئيس‭ ‬قسم‭ ‬أورام‭ ‬الجهاز‭ ‬العصبي

يُعدّ‭ ‬الدكتور‭ ‬يوسف‭ ‬ج‭. ‬قمير‭ (‬Youssef G‭. ‬Comair‭, ‬MD‭, ‬FRCSC‭, ‬FANNS‭) ‬جرّاح‭ ‬أعصاب‭ ‬ذا‭ ‬شهرة‭ ‬عالمية،‭ ‬وأحد‭ ‬روّاد‭ ‬جراحة‭ ‬أورام‭ ‬الدماغ‭ ‬مع‭ ‬إبقاء‭ ‬المريض‭ ‬مستيقظًا‭ ‬أثناء‭ ‬العملية‭ (‬Awake Craniotomy‭). ‬كما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬جراحة‭ ‬الصرع‭ ‬لدى‭ ‬الأطفال‭ ‬بوصفها‭ ‬خيارًا‭ ‬علاجيًا‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬تحوّل‭ ‬جذري‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الأطفال‭ ‬المصابين‭ ‬بالصرع‭ ‬الشديد‭.‬

لمعرفة‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬المعلومات،‭  ‬يُرجى‭ ‬زيارة‭ ‬الموقع ‭  ‬https‭://‬uchicagomedicine.org/global

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى