سرطان الرئة في مراحله المبكرة: نهج جراحي متطور في UCLA Health من التشخيص إلى استئصال الورم في جلسة واحدة
سرطان الرئة في مراحله المبكرة: نهج جراحي متطور في UCLA Health من التشخيص إلى استئصال الورم في جلسة واحدة
الدكتور برايان بيرت، أستاذ ورئيس قسم جراحة الصدر في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA) والباحث في مركز جونسون الشامل للسرطان التابع لـUCLA Health
الدكتور رضا روناغي، اختصاصي أمراض الرئة التداخلية والعناية المركّزة في UCLA Health

قد تمتد رحلة تشخيص سرطان الرئة في مراحله المبكرة وعلاجه لأسابيع أو حتى أشهر، لما تتطلّبه من فحوصات وإجراءات متعدّدة. وتبرز هنا أهمية الوقت، إذ تشير الأبحاث إلى أن طول المدة بين التشخيص وبدء العلاج يرتبط بزيادة احتمالات عودة المرض وتراجع فرص البقاء على قيد الحياة. وإدراكاً لأهمية التدخل السريع والحد من هذا التأخير، اعتمد مركز UCLA Health نهجاً جراحياً متكاملاً يجمع بين التشخيص، وتحديد موقع الورم ومرحلته، واستئصاله – عند الإمكان– في جلسة واحدة داخل غرفة العمليات وتحت تخدير واحد. وبذلك، بات بإمكان المرضى الذين تنطبق عليهم المعايير الطبية اختصار رحلة التشخيص الطويلة إلى بضع ساعات فقط. للوقوف على تفاصيل هذه التقنية وأهميتها في تطوير رعاية مرضى سرطان الرئة، يحدّثنا الدكتور برايان بيرت، أستاذ ورئيس قسم جراحة الصدر في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA)، والباحث في مركز جونسون الشامل للسرطان التابع لـUCLA Health، والدكتور رضا روناغي، اختصاصي أمراض الرئة التداخلية والعناية المركّزة في UCLA Health.
ما أهمية التشخيص المبكر وسرعة التدخل العلاجي في تحسين فرص الشفاء من سرطان الرئة؟
الدكتور بيرت: تؤكد الدراسات الحديثة أهمية تقليص الفترة الفاصلة بين اكتشاف سرطان الرئة في مراحله المبكرة والتدخل الجراحي، نظراً إلى تأثير التأخير المحتمل في النتائج العلاجية. فقد أظهرت دراسة حديثة أجريناها في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس أن المدة الوسطية بين اكتشاف عُقيدة رئوية مشتبه بها وإجراء الجراحة بلغت 57 يوماً. كما تبين أن تجاوز هذه الفترة ثمانية أسابيع ارتبط بانخفاض معدلات البقاء على قيد الحياة وارتفاع احتمالات عودة المرض.
من هنا، نسعى إلى تجاوز التأخير غير المبرر، من خلال تنسيق مرحلتي التشخيص والعلاج ودمجهما كلما سمحت الحالة الصحية للمريض بذلك.
الدكتور روناغي: في المسار التقليدي، قد يتنقّل المريض بين عدة اختصاصيين، بدءاً من اكتشاف عُقيدة رئوية مشبوهة وصولاً إلى تلقي العلاج. فقد يتولى أحد الأطباء إجراء الخزعة، وآخر تحديد مرحلة المرض ومدى انتشاره، فيما يتولى طبيب ثالث وضع الخطة العلاجية وتنفيذها. وقد تستغرق كل مرحلة أسابيع عدة، ما يطيل المدة بين اكتشاف الورم وبدء العلاج.
أما المقاربة الجديدة، فتجمع هذه المراحل في جلسة واحدة داخل غرفة العمليات وتحت تخدير واحد، ما يختصر رحلة التشخيص والعلاج ويقلّل الحاجة إلى إجراءات منفصلة.
أجرى UCLA Health مؤخراً أول عملية لديه تجمع بين التشخيص وتحديد مرحلة المرض وموقع الورم واستئصاله في جلسة واحدة. كيف تُجرى هذه العملية؟
الدكتور روناغي: تبدأ العملية باختيار المرضى الذين تنطبق عليهم المعايير الطبية المناسبة لهذه المقاربة، بعد استكمال التقييم اللازم. وفي غرفة العمليات، نُجري الفحوصات والتدخلات المطلوبة تحت تخدير واحد، بالاستعانة بتقنيات روبوتية متقدّمة. وتتيح لنا هذه التقنيات أخذ خزعة من العُقيدة الرئوية، وتقييم مدى انتشار السرطان، ووضع علامة تُساعد الجرّاح على تحديد موقع الورم بدقة. وإذا أكدت النتائج أن الاستئصال الجراحي مناسب للحالة، يمكن الانتقال مباشرة إلى إزالة الورم، من دون الحاجة إلى موعد آخر أو تخدير إضافي.
الدكتور بيرت: ترتكز هذه المقاربة على أربع مراحل متكاملة:
- تبدأ المرحلة الأولى بتنظير القصبات الهوائية بمساعدة الروبوت، للوصول إلى العُقيدة الرئوية المشتبه بها وأخذ خزعة منها. وتُفحص العيّنة فوراً، بحيث نحصل على النتيجة أثناء وجود المريض في غرفة العمليات.
- وفي المرحلة الثانية، نستخدم تنظير القصبات بالموجات فوق الصوتية (EBUS) لأخذ عينات من العقد اللمفاوية داخل الصدر، بهدف تحديد مرحلة المرض والتحقق من مدى انتشاره إليها.
- أما المرحلة الثالثة، فتتمثل في وضع علامة صغيرة داخل العُقيدة أو بالقرب منها، لتوجيه الجرّاح إلى موقعها بدقة، خصوصاً إذا كانت صغيرة الحجم أو يصعب العثور عليها أثناء الجراحة.
- وإذا أكدت الفحوصات أن السرطان في مرحلة مبكرة وأن المريض مؤهّل للجراحة، ننتقل إلى المرحلة الرابعة، وهي استئصال الورم باستخدام الجراحة الروبوتية.
وبذلك، نُنجز في جلسة واحدة سلسلة من الإجراءات التي كانت تتطلب سابقاً مواعيد وتدخلات منفصلة.
كيف ينعكس هذا النهج على تجربة المريض، طبياً ونفسياً؟
الدكتور بيرت: من أبرز مزايا هذا النهج تحسين تجربة المريض. فالانتظار بين ظهور نتائج تصوير تثير الاشتباه وإجراء الخزعة وتحديد مرحلة المرض وبدء العلاج قد يشكّل عبئاً نفسياً كبيراً، لما يرافقه من قلق وعدم يقين بشأن التشخيص.
ومن خلال جمع هذه المراحل في جلسة واحدة، يمكن تقليص فترة الانتظار وتخفيف الضغوط النفسية المصاحبة لها.
الدكتور روناغي: تخيّل أن يدخل المريض إلى غرفة العمليات من دون تشخيص نهائي، ثم يستيقظ بعد بضع ساعات وقد اكتمل تشخيصه واستُؤصل الورم، إذا كانت حالته تسمح بذلك. هذه إحدى أهم المزايا التي تتيحها هذه المقاربة.
كما نستخدم تقنيات جراحية طفيفة التوغل، تسمح في الحالات المناسبة باستئصال الورم عبر بضعة شقوق صغيرة، ما يقلّل الحاجة إلى شقوق جراحية واسعة.
هل تناسب هذه المقاربة جميع مرضى سرطان الرئة؟ وما المعايير التي تحدّد الاستفادة منها؟
الدكتور بيرت: لا يمكن اعتماد هذه المقاربة لجميع المرضى، بل تتطلّب اختيار الحالات بعناية، بالاستناد إلى نتائج التصوير الطبي والمعطيات السريرية لكل مريض.
الدكتور روناغي: يسبق الإجراء تقييم شامل يجريه فريق متعدد الاختصاصات، يضم جرّاحي الصدر واختصاصيي أمراض الرئة التداخلية، ويستند إلى الفحوصات التصويرية والتقييمات الطبية اللازمة قبل العملية.
وتُصمَّم الخطة وفق حالة كل مريض واحتياجاته، إذ لا تتطلّب جميع الحالات المرور بالمراحل الأربع. كما أن دخول المريض إلى غرفة العمليات لإجراء التشخيص لا يعني بالضرورة المضيّ في استئصال الورم؛ فالقرار يتوقف على النتائج التي نحصل عليها أثناء الإجراء ومدى ملاءمة الجراحة للحالة.

ما الذي يجعل هذه المقاربة نموذجاً للجراحة الدقيقة؟ وكيف ترون مستقبل هذا النوع من الرعاية؟
الدكتور بيرت: يتجه علاج سرطان الرئة بصورة متسارعة نحو الطب الدقيق، الذي يستند إلى فهم الخصائص البيولوجية والجزيئية للورم، إلى جانب موقعه ومرحلته.
فمن خلال التحليل الجيني للورم ودراسة المؤشرات الحيوية، يمكننا فهم طبيعة المرض لدى كل مريض بصورة أعمق، واختيار العلاجات الأكثر ملاءمة لخصائصه والأرجح أن تحقق استجابة أفضل.
وتنسجم هذه المقاربة الجراحية مع هذا التوجّه، إذ تجمع بين التقنيات المتقدّمة والتخطيط العلاجي المصمَّم لكل حالة. ونرى أن مستقبل الرعاية يكمن في تعزيز هذا التكامل، لتقديم تشخيص أكثر دقة وعلاج أكثر تخصيصاً.
ما أكثر ما يثير اهتمامكم بشأن مستقبل علاج سرطان الرئة في ضوء هذه التطورات؟
الدكتور بيرت: لعل أكثر ما يثير اهتمامنا هو قدرة هذه التطورات على إحداث فرق ملموس في حياة المرضى. فعندما نعتمد التقنيات الحديثة والأساليب العلاجية المبتكرة بصورة مدروسة، لا نكتفي بتطوير الممارسة الطبية، بل نمنح المرضى تجربة علاجية أفضل، ونحسّن مستوى الرعاية التي يتلقونها.
الدكتور روناغي: أتاح التقدّم في تنظير القصبات الهوائية والجراحة بمساعدة الروبوت جمع إجراءات متعددة في تدخل واحد باستخدام تقنيات طفيفة التوغل. وهذا يمهّد لرعاية أكثر تكاملاً، تجمع بين التشخيص والعلاج بكفاءة أكبر، وتقلّل عدد الإجراءات التي يخضع لها المريض.



