الدكتور خالد زامل
النوبات والصرع عند الأطفال: كيف تنهض قطر ببحوث التشخيص الجيني
الدكتور خالد زامل، طبيب وزميل الكلية الأميركية للفسيولوجيا العصبية الإكلينيكية (FACNS)، والأستاذ المشارك في طب الأطفال الإكلينيكي وطب الأعصاب الإكلينيكي في وايل كورنيل للطب – قطر، واستشاري أول طب أعصاب الأطفال في سدرة للطب

ما يزال مرض الصرع غير مفهوم على نطاق واسع، سواء في أوساط عامة الناس أو حتى في الأوساط الطبية الواسعة النطاق، على الرغم من كونه أحد أكثر الأمراض العصبية شيوعاً في مرحلة الطفولة. ومع ذلك، تشهد رعاية الأطفال المصابين بالصرع تحولاً جذرياً على مستوى العالم، بفضل البحوث الجينية ودورها في تحسين الجوانب التشخيصية والمسارات العلاجية. فعلى مدى العقد المنصرم، انتقلنا من نموذج موحّد لعلاج جميع الحالات يقتصر على الأدوية فقط، إلى رعاية دقيقة وشخصية ترتكز على تحديد مسبّبات المرض.
وتتبوأ قطر مكانة ريادية في مجال البحوث الإقليمية لتشخيص الصرع لدى الأطفال. الدكتور خالد زامل، طبيب وزميل الكلية الأميركية للفسيولوجيا العصبية الإكلينيكية (FACNS)، والأستاذ المشارك في طب الأطفال الإكلينيكي وطب الأعصاب الإكلينيكي في وايل كورنيل للطب – قطر، واستشاري أول طب أعصاب الأطفال في سدرة للطب، يناقش هنا المنهجية المتعددة التخصصات في تشخيص نوبات صرع الأطفال وعلاجها، وكيفية تعامل الأطباء الممارسين مع قلق الوالدين، وكيف تسهم قطر في بحوث علمية ريادية في مجال تسلسل الجينوم الكامل.
ما أسباب انعدام الفهم التام لصرع الأطفال في أوساط المهنيين الطبيين؟
الصرع مرض معقد، فهو ليس حالة مَرضيّة واحدة، ولا ينحصر في عرض واحد، وله العديد من الأعراض الإكلينيكية. وأما النوبة فهي حدث واحد يتجسّد في دفقة من النشاط الكهربائي غير الطبيعي في الدماغ. ويختلف شكل نوبة الصرع باختلاف موضع تلك الدفقة في الدماغ. والتشنج الشديد الذي يصيب الجسم بأكمله هو نوع واحد فقط (ما يُعرف في الطب بالنوبة التوترية الرّمَعية – أو الارتعاشية – المعمّمة). ويتمّ إغفال الكثير من النوبات أو الخلط بينها وبين أمراض أخرى. وقد يُساء تشخيص تشنّج الرضّع أحياناً على أنه مغص. وللوهلة الأولى، قد تبدو نوبات الصرع المصحوبة بغياب عن الوعي مشابهة لأحلام اليقظة، وقد لا تُكتشف إلا عند إحالة الطفل لإجراء تخطيط كهربية الدماغ (EEG).
وبالنسبة للعديد من الأسر، لا يوجد سيناريو أكثر إثارةً للخوف من نوبة الصرع الحُمّوية، وهي تشنجات تحدث بسبب الحُمّى لدى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم عادة بين 6 أشهر و5 سنوات، وتصيب ما بين 3 و5 في المائة من الأطفال الصغار. ومع ذلك، فإن الغالبية العظمى من نوبات الصرع الحُمّوية تكون قصيرة وغير ضارة، وتزول مع نمو الطفل من دون ترك أي آثار دائمة.
وتشمل الأعراض الأخرى فقداناً مفاجئاً لتوتر العضلات الأمر الذي يتسبب بسقوط الطفل أو انحنائه (ارتخاء العضلات)، أو، في نوبات الصرع البؤرية، حركات متكررة مثل الحركات اللاإرادية في الشفتين، أو العبث باليدين، أو ارتعاشات تقتصر على جزء واحد من الجسم. والصرع هو نزعة للإصابة بنوبات متكررة غير مبرّرة. وما زال يُساء فهم هذا التمييز على نطاق واسع بين عامة الناس: فالطفل الذي يُصاب بنوبة واحدة ليس بالضرورة أن يكون مصاباً بالصرع. فمعظم النوبات لدى الأطفال قصيرة الأمد، وتزول من تلقاء نفسها، وليست خطيرة في حدّ ذاتها. وفي الغالب، الخوف الذي تُثيره هذه النوبات للأسر يكون مبالغاً فيه مقارنة بالمخاطر الطبية الفعلية، ولذلك يشكّل التثقيف والطمأنة جزءاً أساسياً من عملنا. ويُحقق قرابة الثلثين إلى ثلاثة أرباع الأطفال سيطرة مستدامة على النوبات باستخدام أدوية مضادة للنوبات تُختار بطريقة مدروسة. وأسباب الصرع متنوعة إلى حد بعيد. فيُعزى الصرع لأسباب وراثية، أو بسبب تشوهات خِلقية في الدماغ، أو تشوهات بِنيوية، أو اضطرابات مناعية، أو حتى إصابة سابقة في الرأس. ونظراً لاختلاف الأعراض والأسباب اختلافاً واسعاً، لا يكون تشخيص الصرع وفهمه بالأمر السهل دائماً بالنسبة لغير المتخصصين.
لعلّ التطور الأبرز الذي شهدناه في السنوات الأخيرة هو ازدياد الاعتماد على التشخيص الجيني. فبحسب السياق السريري، وخاصةً في حالات الصرع المُبكر والاعتلالات الدماغية الصرعية النمائية، قد يُحدد الفحص الجيني سبباً كامناً لدى نسبة تتراوح بين 30-50 في المائة أو أكثر من المرضى. كيف تسهم قطر في مثل هذه البحوث؟
يُمكن للتشخيص الجيني أن يُغيّر بشكل مباشر مسار العلاج، فهو يُحدد الأدوية المناسبة، ولا يقلّ عن ذلك أهمية، الأدوية التي يجب تجنبّها لأنها قد تُفاقم النوبات في بعض الحالات. كذلك، يساعدنا التشخيص الجيني على التنبؤ بمسار المرض وتقديم استشارات وراثية مستنيرة للأسر المعنيّة.
ومن أكثر ما يميّز العمل في دولة قطر ذلك التنوع الواسع في التركيبة السكانية، فهناك المواطنون القطريون وهناك الوافدون. وهذا يجعل العينة السكانية لمرضانا متنوعة ودولية بصفة استثنائية، ويعزّز في الوقت نفسه أهمية بحوثنا. كما أن نسبة زواج الأقارب مرتفعة نسبياً، مما يسهم في ارتفاع نسبة حالات الصرع الجيني والموروث، وهو ما يُؤثر تأثيراً مباشراً في التشخيص والعلاج والاستشارات الوراثية.
ومن أهم التطورات في هذا الصدد مشروع “جينوم قطر”، الذي يدرس جينوم المواطنين القطريين. ويُنجز جزءٌ كبير من هذا المشروع في سدرة للطب من خلال تسلسل الجينوم الكامل، وهو شكل متطور للغاية من الاختبارات الجينية تجريه فرق عمل سدرة للطب بشكل كامل داخل المركز. ويمثّل الصرع أحد مجالات التركيز، كما أُجريت بحوث مهمة أيضاً في ما يتعلق بأمراض أخرى مثل التوحد. وأعتقد أننا سنستمر في رؤية اكتشافات مهمة تنبثق من هذا المشروع في المستقبل.
كذلك، أنجزَ سدرة للطب دراسة واسعة النطاق شملت أكثر من 1400 طفل مصاب بالصرع في الفترة بين عامي 2016 و2019، استعان فيها بنتائج تسلسل الإكسوم الكامل من مختبرات تجارية لرسم أول صورة تفصيلية لصرع الأطفال في الدولة. وأبرز النقاط التي تستحق الإشارة إليها هنا:
- معدل الإصابة بصرع الأطفال في قطر مماثل للأرقام المُبلّغ عنها دولياً، مما يؤكد أن معدل إصابة السكان في قطر يتماشى مع الأنماط العالمية.
- الصرع البؤري هو النوع الأكثر شيوعاً، ولم يحدّد سبب واحد لدى معظم الأطفال، وهو ما يتوافق أيضاً مع التجارب العالمية.
- ارتبط بدء الإصابة بالصرع قبل سنّ الثانية بتفاقم خطر صعوبات النمو ونوبات يصعب علاجها، مما يؤكد أهمية التشخيص المبكر الإحالة إلى المختصين.
- كانت الاعتلالات المشتركة المرتبطة بالنماء العصبي (تأخّر النمو، وصعوبات التعلم والانتباه، والصعوبات السلوكية) شائعة. وهذه رسالة بالغة الأهمية: الصرع ليس مجرد نوبات. ولا بدّ من رعاية الطفل ككل لتحقيق النواتج الجيدة المنشودة.
وقد استخدمت دراستنا تقنية تسلسل الإكسوم الكامل لتحديد التغيرات الجينية المسببة للمرض لدى ما يقارب نصف المرضى، بما في ذلك عدد من المتغيرات الجديدة، واستكشفت التداخل المتزايد بين الآليات الجينية والمناعية في الصرع. وهذا يُبرز أهمية الاختبارات الجينية، المقترنة بالاستشارات، في هذه الفئة السكانية تحديداً. وفي الوقت نفسه، بفضل توافر تقنية تسلسل الجينوم الكامل داخل سدرة للطب ودراسة هذه الفئة السكانية المتنوعة فإن الباحثين الطبيين في موقع راسخ اليوم يمكّنهم من تحديد أسباب جينية جديدة للصرع وسدّ الفجوات في المعرفة العلمية العالمية.
كيف تُسهم الشراكة بين وايل كورنيل للطب – قطر وسدرة للطب في إحراز تقدّم في بحوث صرع الأطفال؟
تتمثّل مساهمة وايل كورنيل للطب – قطر في الدعم الكبير من أعضاء هيئة التدريس لديها، وتعاونت الكلية أيضاً عن كثب، ووفّرت معارف متخصصة للبحوث الجينية الواسعة النطاق التي تُجريها فرق الباحثين في سدرة للطب. ووايل كورنيل للطب – قطر وسدرة للطب هُما عضوان في مؤسسة قطر، وقد بدأ التعاون بينهما منذ تدشين سدرة للطب في عام 2016. وستستمر العلاقة الوثيقة بينهما على صعيد تبادل الموارد ودعم كلّ منهما للمبادرات البحثية للطرف الآخر.
كيف ستفيد العلاجات الجينية الأطفال المصابين بالصرع؟
دولياً، بلغ الباحثون حالياً مرحلة بالغة الأهمية في التجارب العلاجية. ولا يوجد علاجاً متاحاً تجارياً حتى الآن، لكننا نقترب كثيراً من ذلك، لا سيما لمتلازمة درافيت (Dravet syndrome)، وهي شكل حاد من الصرع غالباً ما يرتبط بتأخّر النمو والانتكاس.
وفي كثير من الأحيان، يعاني الأطفال المصابون بهذه المتلازمة من نوبات صرع يومية حادة حتى مع تناولهم أدوية نوبات الصرع. وسيحقق العلاج الجيني الناجح نقلة فارقة لأنه سيتناول الأسباب الجذرية للمرض بدلاً من مجرد تخفيف أعراضه.
وفي المقام الأول، ينصبّ تركيز بحوث سدرة للطب في مجال الصرع على الجوانب التشخيصية، لكننا نقدّم أيضاً علاجات جينية لاضطرابات عصبية أخرى، مثل ضمور العضلات الشوكي (SMA). وقد كان سدرة للطب في طليعة المراكز الطبية في المنطقة التي قدّمت علاجاً لضمور العضلات الشوكي، ويتألف هذا العلاج من حقنة واحدة تبلغ تكلفتها نحو 2.3 مليون دولار أميركي، ما جعلها في وقت من الأوقات من بين العلاجات الطبية الأعلى تكلفة في العالم. لكنه علاج يُعطى لمرة واحدة ويمكن أن يكون علاجاً فعّالاً لمرض كان يعدّ سابقاً من الأمراض المميتة.
وكلما أُعطي هذا العلاج مبكراً، كانت النتائج أفضل. فإذا جرى تشخيص الأطفال وعلاجهم خلال الأسابيع الأولى من حياتهم، يمكنهم التمتع بمتوسط عمر طبيعي ووظائف عصبية عضلية سليمة. وقد أسهم هذا النجاح في إدخال الفحص الجيني لحديثي الولادة للكشف عن ضمور العضلات الشوكي في قطر.

ما أكبر التحديات الماثلة أمام الممارسين الطبيين الذين يعالجون الأطفال المصابين بالصرع؟
ما تزال الأدوية المضادة للنوبات تمثّل العلاج الأول والأكثر فعالية، ولكن قرابة ثُلث الأطفال المصابين بالصرع لا يستجيبون استجابة كافية للأدوية. وليس كافياً تجربة دواء ما تلو الآخر، بل من المهم للغاية اتباع برنامج علاج شامل. وتشمل الحزمة العلاجية الحديثة ما يلي:
- الأدوية المضادة للنوبات: ما تزال تشكل خطاً علاجياً أولياً، مع وجود مجموعة متنامية من الأدوية الأحدث التي يمكن تحمّلها بشكل أفضل والأكثر استهدافاً.
- العلاج الغذائي (النظام الغذائي الكيتوني): خيار فعّال فعلياً لبعض الأطفال. ففي دراسة إقليمية شارك فيها سدرة للطب، حقق هذا العلاج انخفاضاً ملحوظاً في نوبات الصرع لدى نسبة كبيرة من الأطفال المصابين بمتلازمات وراثية، مع أفضل الاستجابات في حالات مثل متلازمة لينوكس–غاستو (Lennox–Gastaut Syndrome) ومتلازمة درافيت (Dravet Syndrome).
- الجراحة: يمكن أن تكون شافية أو يمكن أن تقلّل نوبات الصرع إلى حد كبير في بعض الحالات. وما تزال واحدة من أكثر العلاجات فعالية للصرع غير المستجيب للأدوية، مع أنها غير مستخدمة على نطاق واسع.
- التعديل العصبي: يوفّر تحفيز العصب المبهم، وعلى نحو متزايد، التحفيز العميق للدماغ، خياراتٍ للأطفال غير المؤهلين للجراحة.
والمسألة المحورية هنا هو التحوّل من مقولة “جرّب حبة دواء أخرى” إلى العلاج القائم على الشخص وعلى السبب، ومطابقة العلاج مع السبب الكامن.
يُقدّم سدرة للطب الآن رعاية طبية متخصصة بمعايير عالمية رفيعة لعلاج الصرع لسكان دولة قطر، بمن فيهم المواطنون القطريون والمقيمون في قطر والمرضى الدوليون، وبذلك لن تُضطر الأسر للسفر إلى الخارج لتلقي العلاج. كيف يعمل برنامجكم لعلاج صرع الأطفال؟
يُدير برنامجنا أكثر الحالات تعقيداً من خلال نهج متكامل متعدد التخصصات يقوم على المعايير الدولية المبنية على الأدلة:
مختبر متطور لعلم وظائف الأعصاب، يضمّ المختبر وحدة رصد مرئية لتخطيط كهربية الدماغ (EEG) للأطفال وهي الوحيدة في قطر التي تعمل على مدار 24 ساعة. ويُمكّننا تخطيط كهربية الدماغ المستمر بالتقنية المرئية من رصد الأحداث وتوصيفها بدقة، ما يتيح لنا التمييز بين نوبات الصرع والأحداث غير الصرعية، وتحديد المتلازمات بدقة، وتوجيه مسار العلاج.
التصوير العصبي المتقدم، يشمل التصوير بالرنين المغناطيسي الفائق الدقة، بالإضافة إلى التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET) والتصوير المقطعي المحوسب بإصدار فوتون واحد (SPECT) للحالات المعقدة، ويعدّ ذلك ضرورياً لتحديد مصدر النوبات، خاصة عند التخطيط لإجراء جراحة.
برنامج جراحة مكرّس لعلاج صرع الأطفال، يشرف عليه فريق متميّز لجراحة الأعصاب للأطفال ويعمل جنباً إلى جنب مع فريق طب الأعصاب لدينا.
فحوصات واستشارات جينية شاملة، وعلاج غذائي (كيتوني)، وتعديل عصبي، وكل ذلك تحت سقف واحد.
وتستقبل العيادات الخارجية قرابة 50 مريضاً شهرياً. وفي المقابل، لا تركّز هذه الخدمة على العدد بقدر ما تركّز على تقديم رعاية متخصصة للغاية.
هل هناك برامج مماثلة في أماكن أخرى من العالم العربي؟
ثمة مراكز متميّزة في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك المملكة العربية السعودية، ونحن نتعاون تعاوناً وثيقاً مع العديد منها في إنجاز مشاريع بحثية وعقد اجتماعات وتنظيم مؤتمرات. كذلك، يستضيف سدرة للطب اجتماعات دولية سنوية في طب الأعصاب تستقطب متخصصين من جميع أنحاء العالم.
من أبرز النتائج اللافتة لدراستكم عن جودة الحياة أن الأطفال المصابين بالصرع يعطون تقييماً أعلى لجودة حياتهم مقارنة بتقييم آبائهم لها. وهذا يشير إلى التأثير الكبير لقلق القائمين على تقديم الرعاية. كيف يمكن للأطباء الممارسين معالجة هذا الأمر؟
أنا سعيد لطرحكم هذا السؤال لأنه يجسّد شيئاً نتعامل معه يومياً. فقد وجدت دراستنا عن جودة الحياة أن الالتحاق بمدرسة وعدم وجود أمراض أخرى أمران يسهمان في تحسّن رفاه الفرد، بينما تتسبب الأمراض المصاحبة ونوبات الصرع المتكررة إلى تدهورها. وتشمل الرسائل العملية المستخلصة من الدراسة ما يلي:
- يمكن للأطفال المصابين بالصرع، بل ينبغي لهم، الالتحاق بالدراسة واللعب والمشاركة الكاملة كلما أمكن ذلك. فالضرر الناجم عن العزلة يفوق بكثير الضرر المترتب على نوبات الصرع نفسها.
- ما تزال الوصمة الاجتماعية تُشكّل عبئاً حقيقياً في مجتمعاتنا، والمعلومات الدقيقة والحوار المفتوح هما الحل الأمثل.
- يشكّل دعم أفراد الأُسرة، ولا سيما الأمهات اللواتي يتحمّلن في الغالب العبء الأكبر في رعاية الطفل، جزءاً من الرعاية الشاملة.
ومن مسؤوليتنا تخفيف قلق الأبوين من خلال التثقيف والدعم. ومن أهم ما نقدمه في هذا الصدد الإرشادات العملية. فنحن نثقّف الأسر بشأن أساسيات تقديم الإسعافات الأولية عند حدوث نوبات الصرع، ونضع خططاً للإنقاذ في حالات نوبات الصرع المطوّلة، ونتأكد من معرفتهم الدقيقة بالخطوات الواجب اتخاذها في حالات الطوارئ. وثمة عنصر آخر بالغ الأهمية يتمثّل في إتاحة جهة اتصال واضحة. فقد وضعنا نظاماً يعتمد على منسقين مكرّسين متخصصين في الرعاية الإكلينيكية لأمراض الأعصاب – فريق تمريض متخصص يعمل كحلقة وصل مباشرة للأسر ويتواصل مباشرة مع أطباء الأعصاب المعالجين لتقديم المشورة السريعة وطمأنة الأسر. وتحُول هذه الخدمة دون شعور الأسر بالعزلة وتقلّل من الزيارات غير الضرورية لأقسام الطوارئ.
وللتثقيف أهمية مماثلة. ففي البداية، تصل أسر كثيرة بمفاهيم خاطئة عن الصرع، بما في ذلك الخرافات الثقافية بشأن أسبابه أو تساؤلات بشأن العلاجات غير التقليدية. ونكرّس الكثير من الوقت لشرح الحقائق، ومناقشة التوقعات، وتمكين الأسر من فهم ما إذا كان من المرجح أن يُشفى طفلها من الصرع تلقائياً أم أنه يتطلّب معالجة مكثفة طويلة الأمد. وتتمّ هذه العملية في الغالب على مدار عدة زيارات. وكلّما زاد الوقت الذي نقضيه في الإصغاء إلى الأسر، والإجابة عن أسئلتها، وتقديم معلومات دقيقة، كانت النتائج أفضل للجميع.
كيف ترون تطور علاج صرع الأطفال خلال السنوات الخمس القادمة؟
من الواضح أن المستقبل يتّجه نحو طب أكثر دقة ونحو الطب القائم على المريض. وأصبح التشخيص الجيني أسرع وأقلّ تكلفة، ومع تقدم التكنولوجيا وإتاحة المزيد من العلاجات، من المرجح أن تنخفض التكاليف بمرور الوقت. وفي الوقت نفسه، سنواصل تحسين الجراحة من خلال تقنيات طفيفة التوغل في الجسم، مثل الاستئصال بالليزر.
كذلك، يزداد تطور أجهزة تعديل النشاط العصبي، واليوم ثمة أنظمة ذكية قادرة على رصد النوبات والاستجابة التلقائية لها. ويقدّم الذكاء الاصطناعي إسهاماً مهماً على صعيد التصوير الطبي وتحليل البيانات. فهو يسهم بالفعل في تحسين سرعة ودقة تفسير الصور الطبية وإدارة كميات هائلة من المعلومات الجينية. وسيضطلع علم الوراثة، بشكل عام، بدور بارز في مستقبل علاج الصرع. كذلك، سيُسهم التقدم في الجراحة، وتعديل النشاط العصبي، والتشخيص، وتحليل البيانات إسهاماً مهماً في تحسين محصلة علاج الأطفال.



