نقطة تحوّل في رحلة علاج الصرع
نقطة تحوّل في رحلة علاج الصرع: التحفيز العصبي يحقق تحسنًا ملحوظًا في السيطرة على النوبات

رغم ظهور مؤشرات مبكرة على نشاط نوبات الصرع، يتذكر رايان مارشال لحظة أول نوبة كبرى تعرض لها، أو بالأحرى ما أعقبها. ففي عام 2014، عندما كان يبلغ من العمر 21 عامًا، أصيب بنوبة صرعية توترية رمعية معممة (Grand Mal Seizure) أثناء وجوده في أحد الملاهي الليلية.
يقول رايان: “اتصل أصدقائي الذين كانوا معي بوالديّ لإبلاغهما بما حدث. نُقلت إلى المستشفى بعد إصابتي بالنوبة، لكنني لا أتذكر أي شيء من تلك الليلة.”
منذ تلك الحادثة، أصبحت نوبات رايان أكثر تكرارًا وأشد تأثيرًا في حياته اليومية. ويوضح والده، جويل مارشال، حجم المعاناة التي عاشها ابنه قائلاً: “تشير التقديرات إلى أن رايان كان يعاني من نحو 300 نشاط صرعي يوميًا، مع نوبات واضحة تظهر بمعدل مرة كل أسبوعين تقريبًا.”
عندما لا تكفي العلاجات الدوائية
على مدى سنوات، جرّب رايان العديد من الأدوية المضادة للصرع. وهو من محبي رياضة المشي لمسافات طويلة وألعاب الفيديو والعمل على أجهزة الكمبيوتر، إلا أنه، شأنه شأن كثير من المرضى المصابين بالصرع المقاوم للأدوية، لم يحقق الاستجابة المرجوة. وأكثر من ذلك، فقد تسبّبت الأدوية في آثار جانبية ملحوظة، مثل النعاس الشديد والخمول.
ويصف تلك المرحلة بقوله: “شعرت وكأنني أعيش داخل دار رعاية، أعتمد كليًا على أسرتي حتى في أبسط الأمور، مثل الذهاب إلى الحمام.”
ومع استمرار تراجع جودة حياته، بدأ رايان وفريقه الطبي في البحث عن خيارات علاجية بديلة. إلا أن الجراحة التقليدية لعلاج الصرع لم تكن مناسبة لحالته، لأن النوبات كانت تنشأ من كلا نصفي الدماغ، وهو ما يجعل التدخل الجراحي خيارًا غير آمن.
التحفيز العصبي… أفق علاجي جديد
بعد استبعاد الخيار الجراحي، عرض أطباء الأعصاب في كندا على رايان خيارات العلاج بالتحفيز العصبي. وكان أحد الخيارات المتاحة هو تحفيز العصب المبهم (Vagus Nerve Stimulation VNS)، وهي تقنية تعتمد على إرسال نبضات كهربائية خفيفة ومنتظمة إلى الدماغ عبر العصب المبهم للمساعدة في الحد من النوبات أو الوقاية منها. في البداية، تردد رايان وعائلته في اتخاذ القرار، لكن أثناء مناقشة الخيارات العلاجية، طرح طبيب الأعصاب خيارًا آخر أوصى به، وهو نظام التحفيز العصبي الاستجابي (Neuropace ®Responsive Neurostimulation – RNS).
ورغم أن كلًا من تقنيتي VNS و®RNS يعتمد على التحفيز العصبي لعلاج الصرع، فإن آلية عمل كلٍّ منهما تختلف بصورة جوهرية. إذ يوفر جهاز VNS تحفيزًا كهربائيًا وفق فواصل زمنية منتظمة، بينما يتميز نظام ®RNS بقدرته على مراقبة النشاط الكهربائي للدماغ بصورة مستمرة، واكتشاف بوادر النشاط غير الطبيعي، ثم إرسال نبضات علاجية عند الحاجة فقط.
وقد أظهرت الدراسات السريرية أن التحفيز العصبي الاستجابي يمكن أن يحقق انخفاضًا أسرع وأكبر في معدل النوبات، مع تقليل الآثار الجانبية المرتبطة بالتحفيز، مثل بحة الصوت أو السعال.
تحدٍ يقود إلى بداية جديدة
رغم النتائج الواعدة التي أظهرها نظام ®RNS، فإنه لم يكن متاحًا للمرضى في كندا. إلا أن رحلة رايان العلاجية لم تتوقف عند هذا الحد؛ إذ قاده طبيب الأعصاب إلى مستشفى هنري فورد في مدينة ديترويت، الذي يضم أحد أبرز المراكز الشاملة والمتخصصة في علاج الصرع، وكان أول مستشفى في ولاية ميشيغان يوفر هذه التقنية المتقدمة. وبعد الحصول على موافقة التأمين الصحي في كندا، بدأ رايان رحلة العلاج باستخدام نظام ®RNS عام 2024، حيث خضع لعملية زراعة الجهاز على يد الدكتورة إيلين إير، رئيسة قسم جراحة الأعصاب في Henry Ford Health.
وتوضح الدكتورة إير: “كانت القدرة على علاج جانبي الدماغ في الوقت نفسه من دون التأثير سلبًا في الذاكرة أو الوظائف الإدراكية سببًا رئيسيًا جعل نظام ®RNS خيارًا علاجيًا مثاليًا لرايان.”
وأضافت: “زرعنا قطبًا كهربائيًا في كل منطقة يبدأ منها النشاط الصرعي داخل جانبي الدماغ، ثم وصلنا الأقطاب بجهاز حاسوبي صغير يُثبت داخل الجمجمة. ويقوم هذا الجهاز بتحليل الإشارات الدماغية بصورة مستمرة، وعند اكتشاف العلامات المبكرة لبدء النوبة، يرسل نبضة كهربائية مضادة تعمل على تثبيطها قبل تطورها.”
متابعة دقيقة ونتائج مبهرة
بعد العملية، تولى الدكتور غريغوري باركلي، استشاري طب الأعصاب في Henry Ford Health، متابعة حالة رايان، بما في ذلك تشغيل الجهاز وإجراء تعديلات تدريجية على إعدادات التحفيز بما يتناسب مع حالته، بالتوازي مع تعديل العلاج الدوائي.
ويؤكد الدكتور باركلي أن هذا النهج التدريجي والشخصي يمثل عنصرًا أساسيًا للوصول إلى أفضل النتائج العلاجية.
ويوضِح: “كان نظام ®RNS يثبط تطوّر النوبات بشكل نشط، إذ كان يعمل نحو ألف مرة يوميًا لمنع انتشار التفريغات الكهربائية غير الطبيعية، المعروفة طبيًا باسم (Spikes)، قبل أن تتطور إلى نوبات صرعية. ويضيف: “في أسوأ فترات المرض، كان رايان يعاني من نوبات متكررة قد تصل إلى 300 نوبة يوميًا، أما الآن فقد انخفض النشاط الصرعي بصورة كبيرة للغاية، ليقتصر على عدد قليل من النوبات المتفرقة خلال فترة امتدت إلى 14 شهرًا.”
مستوى جديد من الاستقلالية
بالنسبة لريان، كانت النتائج تحولًا جذريًا في حياته. ويقول عن ذلك: “انتقلت من شخص غير قادر على ممارسة حياته بشكل طبيعي إلى شخص أكثر استقلالية. كما انخفض عدد الأدوية التي أتناولها من خمسة إلى ثلاثة، والتي كانت تسبب آثارًا جانبية، واستمر معدل النوبات في الانخفاض بعد كل تعديل لإعدادات الجهاز. والآن أشعر بأن هناك أملًا كبيرًا في المستقبل.”
أما والده، فيصف النتائج بأنها تجاوزت كل التوقعات. ويقول: “أخبرنا الأطباء في البداية أننا قد نحقق انخفاضًا في النوبات بنسبة تتراوح بين 70 و80%، لكننا اليوم نشهد انخفاضًا يتجاوز 90%، وهو بالنسبة لنا أشبه بمعجزة. نحن ممتنون للغاية للدكتورة إيلين إير، والدكتور غريغوري باركلي، ولكامل فريق Henry Ford Health على الرعاية المتميزة والعلاج الناجح الذي حصل عليه رايان.”
رسالة أمل للمستقبل
يأمل جويل أن يتمكن عدد أكبر من مرضى الصرع في كندا من الاستفادة من تقنيات التحفيز العصبي المتقدمة التي غيّرت حياة ابنه.
ويقول: “نتمنى أن تتاح هذه التكنولوجيا المذهلة لعدد أكبر من المرضى، بمن فيهم المرضى في كندا.”
ورغم أن زيارات المتابعة في ديترويت ستصبح أقل مع مرور الوقت، فإن الرحلة العلاجية تركت أثرًا عميقًا لدى الأب وابنه.
ويختتم جويل قائلاً: “لم نكن قد زرنا مدينة ديترويت قبل هذه الرحلة، لكننا وقعنا في حب المدينة وطرازها المعماري. إنها مدينة تستحق الاستكشاف.”
للمزيد من المعلومات حول علاج الصرع في Henry Ford Health، يمكن زيارة: https://www.henryford.com/services/epilepsy




