علاجات جينية واعدة لفقدان السمع الوراثي – Boston Children’s Hospital
علاجات جينية واعدة لفقدان السمع الوراثي

شهد مايو 2025 خطوةً علاجيةً واعدة، حيث خضع طفلٌ صغير في مستشفى بوسطن للأطفال (Boston Children›s Hospital) لعلاج جيني مبتكر، تمثّل في حقن ناقل فيروسي يحمل نسخة سليمة من جين OTOF داخل قوقعة الأذن الداخلية، ليصبح من أوائل الأطفال المصابين بفقدان السمع الوراثي الذين تلقّوا هذا النوع من العلاج.
ولا تمثل هذه الخطوة سوى البداية ضمن سلسلة من برامج العلاج الجيني التي يعمل المستشفى على تطويرها لاستهداف أنواع مختلفة من فقدان السمع الوراثي، حيث يطمح الفريق البحثي إلى نقل عدد من هذه العلاجات إلى مرحلة التجارب السريرية خلال العقد المقبل. ويرى الدكتور إليوت شيرر، اختصاصي جراحة الأنف والأذن والحنجرة، أن مستشفى بوسطن للأطفال يمتلك جميع المقومات اللازمة لقيادة هذا المجال، إذ يضم آلاف المرضى المصابين بفقدان السمع الوراثي، إلى جانب مختبرات بحثية متقدمة متخصصة في الاكتشافات العلمية، وفريقًا متخصصًا في إدارة التجارب السريرية، ما يجعله بيئة مثالية لتطوير وتقييم العلاجات الجينية.
فوائد العلاج الجيني في فقدان السمع الوراثي
يُعزى ما يصل إلى %60 من حالات فقدان السمع الخِلقي لدى الأطفال إلى أسباب جينية يمكن تحديدها. وحتى الآن، تم تحديد طفرات في ما لا يقل عن 150 جينًا مسبِّبة لفقدان السمع. وإذا تم اعتماد العلاج الجيني في وقت مبكر، يمكن للأطفال اكتساب القدرة الطبيعية على النطق والتواصل مع الآخرين بصورة أفضل. وفي هذا السياق، تؤكد الدكتورة مارغريت كينا، مديرة الأبحاث السريرية في قسم طب الأنف والأذن والحنجرة وتعزيز التواصل في مستشفى بوسطن للأطفال: «الهدف النهائي للعلاج الجيني يتمثل في تصحيح الخلل الوراثي من خلال تدخل علاجي واحد يمنح المريض استعادة دائمة للقدرة السمعية».
جين TMC1 وفئران «بيتهوفن»
أمضى الدكتور جيفري هولت، الباحث في مجال بيولوجيا السمع، أكثر من25 عامًا في دراسة إمكانات العلاج الجيني لفقدان السمع. وقد شكّلت أبحاثه أساسًا علميًا للعديد من التطورات التي يشهدها هذا المجال اليوم. وفي عام 2011، نجح هولت وفريقه البحثي في إثبات أن البروتينين TMC1 وTMC2 يلعبان دورًا أساسيًا في عملية السمع. ويقع هذان البروتينان على سطح الخلايا الشعرية الحسية داخل القوقعة، وهي الخلايا المسؤولة عن تحويل الاهتزازات الصوتية إلى إشارات عصبية يفهمها الدماغ.
فعندما تصل الموجات الصوتية إلى الأذن، تهتز الأهداب الدقيقة الموجودة على هذه الخلايا، ما يسمح لبروتيني TMC1 وTMC2 بفتح قنوات دقيقة تتيح دخول أيونات الكالسيوم إلى داخل الخلية، لتتولد إشارات كهربائية تنتقل إلى الدماغ، حيث تُترجم إلى أصوات يمكن إدراكها. غير أن حدوث طفرة في جين TMC1 يؤدي إلى اضطراب هذه الآلية الحيوية، إذ ينخفض تدفق أيونات الكالسيوم أو يتوقف تمامًا، ما ينعكس على كفاءة نقل الإشارات العصبية ويؤدي إلى ضعف السمع أو فقدانه.
وحتى اليوم، تم التعرف على أكثر من 70 طفرة مختلفة في جين TMC1 لدى البشر، وهو ما يجعله أحد أهم الجينات المرتبطة بفقدان السمع الوراثي. واستخدم الباحثون فيروسًا معدّلاً وغير ضار من نوع الفيروس المرتبط بالغدانيات (AAV)، يُعرف باسم «الناقل»، لتوصيل الجين إلى الخلايا. كما أضافوا تسلسلاً جينيًا يساعد على تشغيل الجينات داخل الخلايا الشعرية الحسية. وفي وقت لاحق، أثبت فريق هولت أن تقنية تحرير الجينات CRISPR-Cas9، يمكن أن تمنع فقدان السمع لدى فئران «بيتهوفن»، وهي فئران تحمل طفرات سائدة في جين TMC1. كما أظهروا أن تقنيّة تحرير القواعد الجينية (Base Editing)، وهي تقنية أكثر دقة، يمكن أن تصلح هذا الجين، وأن تُعيد جزءًا من السمع.
استراتيجية مبتكرة لإيصال الجينات الكبيرة
بعد النجاحات التي حققها العلاج الجيني باستهداف جين TMC1، اتجه مختبر الدكتور جيفري هولت إلى دراسة جين آخر يُعرف باسم ستيريوسيلين (Stereocilin)، والذي يُعد مسؤولًا عن نحو 15 إلى %20 من حالات فقدان السمع الوراثي. ويلعب بروتين ستيريوسيلين دورًا أساسيًا في الحفاظ على البنية الطبيعية للخلايا الشعرية الحسية داخل القوقعة، إذ يساعد على انتظامها في حزم دقيقة تُمكّنها من ملامسة الغشاء السقفي (Tectorial Membrane) داخل الأذن، ويُعد هذا التلامس ضروريًا لالتقاط الاهتزازات الصوتية وتحويلها إلى إشارات عصبية.
ويشرح الدكتور هولت هذه الآلية قائلًا: «عندما تحدث طفرة في جين ستيريوسيليـن، تفقد الخلايا الشعرية هذا الاتصال، وبالتالي لا تتلقى التحفيز الميكانيكي اللازم، مما يؤثر في قدرتها على نقل الإشارات السمعية بصورة طبيعية.»
لكن جين ستيريوسيلين كبير لدرجة أنه لا يمكن احتواؤه داخل ناقل فيروسي واحد. لذلك، ابتكر فريق هولت استراتيجية تقوم على تقسيم الجين إلى جزأين، ثم تحميل كل جزء داخل ناقل فيروسي مستقل، بحيث يعاد تجميعهما داخل الخلية المستهدفة لاستعادة الجين الكامل. وأظهرت التجارب أن استخدام الناقلين معًا حسّن السمع لدى الفئران المصابة بفقدان سمع حادّ، وفي بعض الحالات أعاده إلى مستوياته الطبيعية.
من المختبر إلى التجارب السريرية
يعمل الدكتور هولت ومستشفى بوسطن للأطفال حاليًا على مناقشة فرص التعاون مع عدد من الشركاء في قطاع الصناعات الدوائية والتقنيات الحيوية، بهدف نقل العلاجات الجينية الخاصة بجيني TMC1 وStereocilin إلى مرحلة التجارب السريرية.
وفي الوقت نفسه، يواصل مختبر الدكتور هولت، بالتعاون مع الدكتورة غوينيل جيليوك، تطوير مجموعة أخرى من العلاجات الجينية، بالشراكة مع الدكتور كارل كوهلر وفريق طب الأنف والأذن والحنجرة السريري في مستشفى بوسطن للأطفال.
ولدعم هذه الجهود، قام كل من الدكتور إليوت شيرر، والدكتورة مارغريت كينا، والمستشارة في علم الوراثة شيلبي ريدفيلد بتأسيس مختبر جينوميات السمع الانتقالية (Translational Hearing Genomics Lab)، إلى جانب إنشاء بنك حيوي يضم خلايا جذعية مأخوذة من أطفال يعانون من فقدان السمع الوراثي، بهدف تسريع تطوير علاجات جينية موجهة لكل حالة. ويُعد جين TMPRSS3 من أبرز الجينات التي يركز عليها الباحثون حاليًا، إذ ترتبط طفراته بفقدان السمع لدى آلاف المرضى حول العالم. وفي إطار هذا المشروع، يعمل الفريق مع شابة تحمل طفرة في هذا الجين وتعاني من فقدان سمع جزئي، ويختبر علاجات جينية محتملة باستخدام نماذج حيوانية، إضافة إلى عضيات الأذن الداخلية (Inner-ear Organoids) التي جرى تطويرها من خلاياها الجذعية، بما يتيح تقييم فعالية العلاج في نموذج يحاكي أنسجة المريضة نفسها. ويأمل الدكتور شيرر في تطوير بروتوكول سريري سريع يتيح اختبار أكثر الخيارات العلاجية الواعدة لدى هذه المريضة، بالتعاون مع الدكتور تيموثي يو، أحد الرواد في تطوير العلاجات الوراثية المصممة خصيصًا لكل مريض باستخدام الأوليغونوكليوتيدات المضادة للاتجاه (Antisense Oligonucleotides)، وهي إحدى تقنيات العلاج الجيني الدوائي التي تستهدف تصحيح تأثير الطفرات الوراثية على مستوى الحمض النووي الريبي. وفي هذا السياق، يختم الدكتور إليوت شيرر: «لقد تغيّرت الطريقة التي نتحدث بها مع مرضانا وعائلاتهم حول فقدان السمع، حتى مقارنة بما كانت عليه قبل عامين فقط. فاليوم أصبحت الخيارات العلاجية أكثر تنوعًا، وهو ما ينعكس مباشرةً على قراراتنا السريرية ويمنح المرضى وعائلاتهم آفاقًا جديدة للمستقبل.»



