كليات الطبمستشفيات

مستشفى جامعة شيكاغو – أول عملية زراعة رباعية من نوعها في إلينوي تمنح مريضة بالتليّف الكيسي فرصة جديدة للحياة

مستشفى جامعة شيكاغو

أول عملية زراعة رباعية من نوعها في إلينوي تمنح مريضة بالتليّف الكيسي فرصة جديدة للحياة

قبل أكثر من عام بقليل، نُقلت جاسمين جونز إلى المستشفى بصورة عاجلة بعدما وجدتها والدتها في غرفة نومها وهي شبه فاقدة للوعي، لتكشف الفحوصات عن إصابتها بفشل كبدي.

جاء هذا التدهور الصحي بعد سنوات طويلة من معاناتها مع التليّف الكيسي (Cystic Fibrosis – CF)، وهو مرض وراثي يؤدي إلى إنتاج الجسم مخاطاً كثيفاً ولزجاً بصورة غير طبيعية، ما يؤدي إلى انسداد الرئتين والجهاز الهضمي، ويؤثر في القدرة على التنفس وهضم الطعام وامتصاص العناصر الغذائية. وكانت جونز قد شُخِّصت بالإصابة بالتليّف الكيسي وهي رضيعة، إلا أنها استطاعت أن تعيش طفولة طبيعية إلى حد كبير بفضل العلاجات الدوائية والرعاية المتخصصة التي تلقتها في مركز التليّف الكيسي بمستشفى جامعة شيكاغو  (UChicago Medicine). وتقول جونز، التي تبلغ اليوم 28 عاماً: “لم تكن هناك أي نشاطات مُنعْتُ من ممارستها خلال طفولتي.”

غير أن حالتها بدأت تتغير مع أواخر سنوات المراهقة، كما يحدث لدى كثير من المصابين بالتليّف الكيسي، إذ أدى تراكم المخاط داخل رئتيها إلى احتجاز البكتيريا، ما تسبب في التهابات مزمنة واستجابة التهابية مستمرة وتندب في أنسجة الرئتين. ولم تقتصر مضاعفات المرض على الرئتين، بل امتدت إلى أعضاء أخرى، من بينها البنكرياس، الذي لم يعد قادراً على إنتاج كمية كافية من الإنسولين لتنظيم مستوى السكر في الدم. وفي عام 2016، شُخِّصت جونز بالإصابة بداء السكري المرتبط بالتليّف الكيسي، وذلك بعد تعرضها لعدة نوبات فقدان للوعي أثناء دراستها الجامعية. ورغم سنوات التعايش مع المرض، فإن حالتها لم تصل إلى مرحلة تهدد حياتها بشكل مباشر إلا في الآونة الأخيرة.

زراعة الأعضاءالخيار الأخير لإنقاذ حياتها

أبلغ الأطباء جاسمين جونز بأن الوقت قد حان للتفكير في إجراء زراعة للكبد، بعدما وصلت المضاعفات إلى مرحلة متقدمة.

وأوضح الدكتور إدوارد ناوريكاس، اختصاصي أمراض الرئة ومدير برنامج التليّف الكيسي لدى البالغين في مستشفى جامعة شيكاغو (UChicago Medicine)، قائلاً: “يفرز الكبد العصارة الصفراوية عبر قنوات دقيقة جداً، إلا أن هذه القنوات قد تنسد لدى مرضى التليّف الكيسي بسبب زيادة كثافة العصارة الصفراوية، ما يؤدي إلى تدهور مفاجئ في وظائف الكبد.”

وأشار إلى أن ظهور الأدوية المعدِّلة لبروتين  CFTR (CFTR modulators)، وهي فئة حديثة من الأدوية التي تقلل كثافة المخاط وتسهّل التخلص منه، أسهم في تقليل الحاجة إلى زراعة الرئتين لدى كثير من مرضى التليّف الكيسي. ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه العلاجات توفر الحماية نفسها للكبد، علماً أن جونز لم تتمكن من تحمل هذا النوع من الأدوية.

ورغم تدهور حالتها، لم تكن جونز تشعر بأنها مستعدة للخضوع للجراحة. وخلال عام 2025، تنقلت مراراً بين المنزل والمستشفى، بينما كانت حالتها الصحية تزداد سوءاً؛ فقد أصيبت باليرقان، وبدأت وظائف الكلى بالتراجع، كما عانت تورماً شديداً في أنحاء جسمها.

ومع ذلك، حرصت قبل خضوعها للجراحة على تحقيق أمنية شخصية، إذ شاركت في جلسة التصوير السنوية لعائلتها بمناسبة عيد الميلاد، قبل أن تُنقل إلى المستشفى في اليوم التالي استعداداً لإجراء زراعة كبد وكلية سليمين.

لكن الفريق الطبي واجه تحدياً آخر، إذ كان يخشى انتقال البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية الموجودة في رئتيها المصابتين إلى الأعضاء المزروعة بعد الجراحة، نتيجة تثبيط جهازها المناعي. لذلك، أوصى الأطباء بإجراء زراعة للرئتين أيضاً.

وقال الدكتور بابلو سانشيز، اختصاصي جراحة الصدر في مستشفى جامعة شيكاغو (UChicago Medicine): “كان لا بد من استئصال كلتا الرئتين للقضاء على احتمال أن تتسبب تلك البكتيريا صعبة العلاج في حدوث مضاعفات بعد الجراحة، عندما يصبح جهازها المناعي مثبطاً.”

جراحة ماراثونية تسجل إنجازًا طبيًا

تحولت غرفة جاسمين في المستشفى إلى خلية عمل متكاملة، حيث بدأت الفرق الطبية متعددة التخصصات التخطيط لإجراء عملية جراحية استغرقت 36  ساعة، لتصبح أول عملية زراعة رباعية من نوعها تُجرى في ولاية إلينوي، والسادسة فقط على مستوى الولايات المتحدة، وفقاً للشبكة المتحدة لمشاركة الأعضاء (United Network for Organ Sharing – UNOS).

وكان فريق معهد زراعة الأعضاء في مستشفى جامعة شيكاغو (UChicago Medicine) على أتم الاستعداد لتنفيذ هذه المهمة المعقدة. ويُعرف المعهد بتميزه في إدارة وتنسيق رعاية المرضى الذين يحتاجون إلى عمليات زراعة أعضاء عالية التعقيد، كما أنه أجرى أكبر عدد من عمليات زراعة ثلاثة أعضاء في العالم.

وقال الدكتور رولف بارث، اختصاصي جراحة زراعة الأعضاء والمدير المشارك للمعهد: “يُعد العمل ضمن فرق كبيرة ومتعددة التخصصات جزءاً أساسياً من ثقافة العمل في مستشفى جامعة شيكاغو (UChicago Medicine). فعدد الأشخاص الذين شاركوا في رعاية جاسمين، بدءاً من تقييم حالتها والحصول على الموافقات اللازمة وحتى إجراء الجراحة، يعكس مستوى من التنسيق قد يصعب تحقيقه حتى في المراكز المتخصصة بالحالات المعقدة.”

وفي الخامس من يناير، بدأ الدكتور سانشيز العملية باستئصال الرئتين المتضررتين بالكامل. ثم قام بغسل التجويف الصدري بمضاد حيوي قوي قبل زرع الرئتين السليمتين من المتبرع.

بعد ذلك، تولى الدكتور رولف بارث زراعة الكبد، الذي جرى الحفاظ على حيويته باستخدام جهاز متطور يضخ الدم الدافئ الغني بالأوكسجين عبر العضو إلى حين موعد الزراعة، بما يضمن المحافظة على وظائفه.

ونظراً لطول العملية وما تعرض له جسم جاسمين من إجهاد، قرر الفريق الطبي إرجاء زراعة الكلية إلى اليوم التالي، حيث أُغلقت الجراحة مؤقتاً ونُقلت إلى وحدة العناية المركزة لمنح جسمها فرصة للتعافي.

وفي صباح اليوم التالي، أجرت الدكتورة آشلي سواه، اختصاصية زراعة الكبد والكلى، عملية زراعة الكلية الجديدة بنجاح.

وقالت الدكتورة سواه: “مرّ جسم جاسمين بتحديات كبيرة خلال هذه الرحلة، لكنها أظهرت قدرة استثنائية على تجاوز كل مرحلة من مراحل العلاج.”

فرصة جديدة للحياة

أمضت جاسمين جونز ستة أسابيع في المستشفى، أعقبها عدة أسابيع في مركز متخصص لإعادة التأهيل الداخلي، قبل أن تتمكن من العودة تدريجياً إلى حياتها اليومية.

واليوم، تتناول أدوية مثبطة للمناعة لضمان تقبّل جسمها للأعضاء المزروعة، كما تواصل جلسات إعادة التأهيل الخارجية ومراجعاتها الطبية الدورية. ويخضع البنكرياس أيضاً للمراقبة المستمرة تحسباً لاحتمال حاجته إلى الزراعة مستقبلاً.

وتقول جونز، المقيمة في الجانب الجنوبي من مدينة شيكاغو: “أشعر بأنني محاطة بفريق طبي استثنائي قدّم لي كل الدعم الذي أحتاجه.”

ورغم جدولها العلاجي المزدحم، تؤكد أن طاقتها بدأت تعود تدريجياً، وأنها تستيقظ كل صباح وهي تشعر بالحماس للقيام بنشاطات مختلفة، بعدما كانت تستيقظ سابقاً وهي مرهقة ولا ترغب إلا في الراحة. أما أكثر ما يمنحها الأمل، فهو أن الأعضاء الجديدة خالية تماماً من التليّف الكيسي، ما يفتح أمامها آفاقاً جديدة لاستعادة حياتها الطبيعية.

وبينما تستعد للعودة إلى عملها واستئناف ممارسة الرياضة، لا يمر يوم من دون أن تستذكر المتبرّع الذي منحها، بعد وفاته، أربعة أعضاء سليمة غيّرت مجرى حياتها.

وتقول بتأثر: “لو أتيحت لي فرصة الحديث مع المتبرع، فسأقول له: شكراً. شكراً لأنك منحتني فرصة لأعيش حياة لم أكن أتصور يوماً أنها ستكون ممكنة بالنسبة لي. لقد وهبتني جزءاً منك، ومنحتني حياة جديدة. سأظل ممتنة لك إلى الأبد.”

لمعرفة المزيد من المعلومات،  يُرجى زيارة الموقع  https://uchicagomedicine.org/global

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى