الدكتورة زينات حجازي
الأمراض التنفّسية عند الأطفال: مقاربات حديثة وتشخيص دقيق نحو رعاية أكثر أمانًا
الدكتورة زينات حجازي، الأستاذة في طب الأطفال والأخصائية في أمراض الجهاز التنفسي في مركز كليمنصو الطبي في بيروت

في ظلّ تزايد التحديات الصحية التي تواجه الأطفال، تحتلّ الأمراض التنفّسية موقعًا متقدّمًا بين أكثر الحالات شيوعًا، ما يستدعي وعيًا أكبر لدى الأهل وتطوّرًا مستمرًا في أساليب التشخيص والعلاج. في هذا الإطار، تحدّثنا الدكتورة زينات حجازي، الأستاذة في طب الأطفال والأخصائية في أمراض الجهاز التنفسي في مركز كليمنصو الطبي في بيروت، لتسلّط الضوء على أبرز هذه الأمراض، علاماتها المبكرة، وأحدث المقاربات العلاجية، إضافة إلى دور الأهل المحوري في دعم رحلة الطفل نحو التعافي.
بدايةً، ما أبرز الأمراض التنفسية شيوعًا لدى الأطفال، وما العوامل التي تجعلهم أكثر عرضة لها مقارنةً بالبالغين؟
تُعدّ الأمراض التنفّسية من أكثر الأمراض شيوعًا لدى الأطفال، إذ تشكّل نحو 25% من مجمل الأمراض، ويُعدّ الربو القصبي من أبرزها بنسبة تقارب 10%. وتشمل هذه الحالات التهابات الجهاز التنفسي العلوي مثل نزلات البرد والتهاب اللوزتين والتهاب الأذن الوسطى، إضافة إلى التهابات الجهاز التنفسي السفلي كالتهاب القصبات والالتهاب الرئوي، إلى جانب الربو.
ويُظهر الأطفال قابلية أعلى للإصابة بهذه الأمراض مقارنةً بالبالغين، نظرًا لصِغَر حجم المجاري الهوائية ومرونتها، ما يجعل أي تورّم بسيط كفيلًا بإعاقة تدفّق الهواء بشكل ملحوظ، فضلًا عن ضعف العضلات التنفّسية لديهم، ما يحدّ من قدرتهم على طرد الإفرازات. كما أن الجهاز المناعي لدى الرضّع وصغار الأطفال لا يزال في طور النمو، ومع انخفاض مستوى الأجسام المضادّة وغياب المناعة الكافية، ترتفع احتمالية تكرار العدوى. كما تلعب العوامل البيئية والاجتماعية دورًا مهمًا في زيادة خطر الإصابة، مثل التعرّض للملوّثات ودخان التبغ، ما يفاقم التهابات المجاري التنفّسية. ويسهم كذلك سلوك الأطفال، كملامسة الوجه وتبادل الألعاب، في تسهيل انتقال الفيروسات، إلى جانب تأثير الاكتظاظ في أماكن الرعاية كالحضانات، وضعف الوصول إلى الخدمات الصحية، في ارتفاع معدلات العدوى.
ما العلامات المبكرة التي يجب أن ينتبه لها الأهل والتي قد تشير إلى مشكلة تنفسية لدى الطفل؟
يُعدّ الاكتشاف المبكر للمشكلات التنفسية لدى الأطفال أمرًا بالغ الأهمية، نظرًا لقدرتها على التفاقم بسرعة. ومن أبرز العلامات التي ينبغي على الأهل ملاحظتها: تسارع معدل التنفس، اتساع فتحتي الأنف أثناء الشهيق، ظهور انكماشات في الصدر أو الرقبة (حيث ينسحب الجلد بين الأضلاع أو عند عظمة الترقوة مع كل نفس)، صدور أصوات غير طبيعية أثناء التنفس مثل الصفير أو الصوت الخشن عند الشهيق الذي قد يدل على انسداد في المجرى الهوائي العلوي، إضافة إلى السعال.
متى يجب طلب الرعاية الطارئة؟
يجب التوجّه فورًا إلى الطوارئ عند ظهور أي من العلامات التالية: ازرقاق أو ميل إلى الرمادي في لون الشفاه أو اللسان أو اللثة أو أطراف الأصابع (ما يدل على نقص الأكسجين)، حدوث توقفات في التنفس، أو إذا كان الطفل يبذل جهدًا شديدًا مع كل نفس أو يعاني من ضيق نفس يمنعه من الكلام أو الرضاعة. كما يُعدّ الاختناق أو السعال المفاجئ لدى طفل كان بحالة جيدة مؤشرًا مقلقًا لاحتمال استنشاق جسم غريب، إضافة إلى ارتفاع حرارة شديد ومستمر. بالنسبة للأطفال دون عمر 3 أشهر، يُعدّ أي ارتفاع في الحرارة فوق 38 درجة مئوية (100.4 فهرنهايت) سببًا كافيًا لطلب تقييم طبي فوري.
كيف تطوّرت وسائل تشخيص الأمراض التنفسية عند الأطفال، وما دور التقنيات الحديثة في تحسين دقة التشخيص؟
شهدت وسائل تشخيص الأمراض التنفسية لدى الأطفال تطوّرًا ملحوظًا، إذ انتقلت من الاعتماد على التقييمات السريرية التقليدية والتفسيرات اليدوية للفحوصات البسيطة، إلى استخدام تقنيات رقمية متقدمة وتحليلات على المستوى الجزيئي مدعومة بالذكاء الاصطناعي. هذا التحوّل أسهم في تعزيز دقة التشخيص وتسريع الوصول إلى النتائج. فالتصوير الطبي المتقدّم، مثل الأشعة المقطعية (CT) والتصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)، أصبح قادرًا على كشف أنماط دقيقة قد لا تُلاحظ بالوسائل التقليدية، ما يقلّل من هامش الخطأ البشري ويدعم التدخل المبكر. كما برزت تقنيات التشخيص الجزيئي وأجهزة الاستشعار الحيوية، بما في ذلك الأدوات المعتمدة على CRISPR، والتي توفّر نتائج سريعة، دقيقة، وغير جراحية لتشخيص العدوى.
ما أبرز أنواع الالتهابات التنفسية التي تصيب الأطفال خلال المواسم المختلفة؟
تُعدّ التهابات الجهاز التنفسي من أكثر المشكلات الصحية شيوعًا لدى الأطفال، لا سيّما مع تغيّر الفصول، حيث تتبع هذه الأمراض نمطًا موسميًا واضحًا نتيجة عوامل بيئية ومناعية. خلال فصلي الخريف والشتاء، تُسجَّل ذروة الإصابات الفيروسية، ويُعدّ هذا الموسم الأكثر ازدحامًا في عيادات الأطفال والطوارئ. إذ تساعد البرودة وجفاف الهواء على بقاء الفيروسات لفترات أطول، كما تُضعف الحواجز الدفاعية في الأنف. ومن أبرز هذه الأمراض:
- الفيروس المخلوي التنفسي (RSV) الذي يسبّب التهاب القصيبات الهوائية، خاصة لدى الأطفال دون السنتين، مع ضيق تنفّس وسعال شديد.
- الإنفلونزا، والتي تكون أعراضها لدى الأطفال أكثر حدّة مقارنة بالبالغين.
- الخناق الفيروسي (Croup).
- نزلات البرد (Rhinovirus/Enterovirus)، والتي تزداد مع بداية العام الدراسي وتستمر خلال الشتاء.
قد تؤدي هذه العدوى الفيروسية إلى إضعاف بطانة الجهاز التنفسي، ما يسهّل حدوث التهابات بكتيرية ثانوية مثل التهاب الأذن الوسطى أو الالتهاب الرئوي. كما تُعدّ محفزًا شائعًا لتفاقم نوبات الربو. أما مع ارتفاع درجات الحرارة في فصلي الربيع والصيف، فتتراجع الفيروسات الشتوية، لكن تظهر تحديات تنفسية أخرى، أبرزها:
- التهاب الأنف التحسّسي (حساسية الربيع وأواخر الصيف)، وهو استجابة مناعية وليس عدوى.
- الالتهاب الرئوي الناتج عن بكتيريا Mycoplasma pneumoniae، ويشيع في أواخر الصيف وبداية الخريف.
- الفيروسات المعوية (Enteroviruses)، التي قد تسبّب أمراضًا مثل مرض اليد والقدم والفم، إضافة إلى أعراض تنفسية خفيفة، وتنتشر خلال الصيف وبداية الخريف.
يؤكد هذا النمط الموسمي أهمية الوقاية، وتعزيز المناعة، والانتباه المبكر للأعراض، خاصة في الفترات التي تشهد ارتفاعًا في معدلات العدوى.
ما أحدث الخيارات العلاجية المتاحة لعلاج الأمراض التنفسية لدى الأطفال؟
شهد علاج الأمراض التنفسية لدى الأطفال تطورًا كبيرًا في السنوات الأخيرة، مع انتقال واضح من العلاجات التقليدية إلى خيارات أكثر دقة تستهدف سبب المرض نفسه، إلى جانب تعزيز الوقاية والتدخل المبكر. من أبرز التطورات الحديثة ما يتعلق بالوقاية من الفيروس المخلوي التنفسي (RSV)، وهو من أهم أسباب التهابات الجهاز التنفسي السفلي والتهاب القصيبات لدى الرضّع والأطفال الصغار. فقد أصبح بالإمكان توفير حماية موسمية عبر الأجسام المضادة أحادية النسيلة طويلة المفعول، تُعطى بحقنة واحدة للرضّع خلال عامهم الأول، وكذلك لبعض الأطفال الأكثر عرضة للمضاعفات. كما برزت لقاحات تُعطى للأم خلال أواخر الحمل، بما يسمح بانتقال الأجسام المضادة إلى الجنين وحماية الطفل منذ الولادة من الإصابة الشديدة.
وفي مجال الربو عند الأطفال، لم يعد العلاج يقتصر على البخاخات التقليدية فقط، بل ظهرت أدوية بيولوجية متقدمة تستهدف مسارات مناعية محددة، مثل IgE أو الحمضات، ما أتاح خيارات أفضل للأطفال الذين يعانون من الربو الشديد أو الأزيز المتكرر، مع تقليل الحاجة إلى الكورتيزون وزيارات الطوارئ. كذلك برز العلاج المناعي تحت اللسان للحالات التحسسية المرتبطة بالربو، كبديل أكثر سهولة لبعض الأطفال بدل الحقن التحسسية المتكررة. كما ساعدت البخاخات الذكية والتقنيات الرقمية الحديثة في تحسين إيصال الدواء ومتابعة التزام الطفل بالعلاج.



