البروفيسور عادل طبشي
سرطان الثدي: فهم أدقّ للورم… وعلاج يناسب كل مريضة
البروفيسور عادل طبشي، رئيس مركز علاج السرطان في مركز كليمنصو الطبي – بيروت

لم يعد تشخيص سرطان الثدي يقتصر على اكتشاف الورم، بل أصبح فهم خصائصه البيولوجية أساساً لاختيار العلاج الأنسب لكل مريضة. في هذا الحوار، يوضح الدكتور عادل طبشي، رئيس مركز علاج السرطان في مركز كليمنصو الطبي – بيروت (CMC)، كيف توجّه نتائج الخزعة والفحوصات الجزيئية القرارات العلاجية، وما تضيفه العلاجات الحديثة وتعاون الاختصاصات إلى فرص الشفاء والحفاظ على جودة الحياة.
ما المعلومات الأساسية التي يكشفها فحص خزعة الثدي، وكيف تساعد في تحديد نوع الورم وخصائصه؟
توفّر خزعة الثدي معلومات تتجاوز مجرّد تأكيد وجود ورم سرطاني أو عدمه. فهي تتيح لنا تحديد نوع سرطان الثدي، ومدى شراسته تحت المجهر، وبعض الخصائص البيولوجية التي تؤثّر في سلوكه. ونقوم بشكل روتيني بفحص مستقبلات الهرمونات، وبروتين يُعرف باسم HER2، وأحياناً نفحص مؤشراً يُسمّى Ki-67، يساعدنا في تقدير سرعة تكاثر الخلايا السرطانية. وتُعدّ هذه النتائج أساسية، لأن سرطان الثدي ليس مرضاً واحداً، بل يشمل أنواعاً فرعية متعدّدة تختلف في استجابتها للعلاج. وبفضل التطوّرات في التشخيص الجزيئي، أصبح بإمكاننا فهم الخصائص البيولوجية لكل ورم بدقّة أكبر، ما يسمح لنا باختيار علاجات أكثر فعالية وملاءمة لحالة كل مريضة.
كيف تؤثر نتائج مستقبلات الهرمونات وHER2 في اختيار العلاج؟
تُعدّ مستقبلات الهرمونات وبروتين HER2 من أهم العوامل التي توجّه اختيار علاج سرطان الثدي اليوم. فعندما تحتوي الخلايا السرطانية على مستقبلات للإستروجين أو البروجستيرون، يمكننا في كثير من الحالات استخدام علاجات هرمونية تمنع الإشارات التي تحفّز نموّها. أما عندما يكون الورم إيجابياً لبروتين HER2، فتتوفّر لدينا أدوية موجّهة عالية الفعالية تستهدف الخلايا السرطانية التي تحمل هذا البروتين. ومن أبرز التطوّرات الحديثة ظهور أدوية تجمع بين الأجسام المضادّة والعلاج الكيميائي، وتُوصف أحياناً بالعلاج الكيميائي الذكي، لأنها توصل أدوية قوية مضادّة للسرطان مباشرة إلى الخلايا التي تحمل أهدافاً محدّدة. وقد ساهمت هذه العلاجات في تحسين نتائج العلاج بشكل ملحوظ لدى مريضات مختارات، حتى في الحالات المتقدّمة. ويسمح لنا فهم هذه المؤشرات بالانتقال من اعتماد العلاج نفسه لجميع المريضات إلى اختيار علاجات أكثر تخصيصاً لكل حالة.
متى تدعو الحاجة إلى فحوصات إضافية للعينة قبل اتخاذ القرار العلاجي؟
تكون الفحوصات الإضافية ذات أهمية خاصة عندما لا توفّر الخزعة الأولية جميع المعلومات اللازمة لاختيار العلاج الأنسب. فعلى سبيل المثال، لدى بعض المريضات المصابات بسرطان الثدي في مراحله المبكرة والحسّاس للهرمونات، تساعد الفحوصات الجينية للورم، مثل Oncotype DX، في تحديد ما إذا كان العلاج الكيميائي سيقدّم فائدة إضافية ملموسة، أو ما إذا كان العلاج الهرموني وحده كافياً.
وفي حالات أخرى، قد نبحث عن طفرات جينية وراثية مثل BRCA1 وBRCA2، أو نحلّل التغيّرات الجزيئية داخل الورم لتحديد فرص استخدام علاجات موجّهة. وتكتسب هذه الفحوصات أهمية خاصة في بعض الأورام عالية الخطورة أو المتقدّمة. والهدف ليس إجراء جميع الفحوصات المتاحة لكل مريضة، بل اختيار الفحص المناسب للحالة المناسبة، لتجنّب العلاجات غير الضرورية مع تحقيق أفضل فرص النجاح.
كيف تُترجم خصائص الورم ومرحلة المرض إلى خطة علاجية تناسب كل مريضة؟
يعتمد وضع الخطة العلاجية على الجمع بين عوامل عدّة، أبرزها حجم الورم، ومدى إصابة العقد اللمفاوية، وما إذا كان السرطان قد انتشر إلى أعضاء أخرى، إضافة إلى الخصائص البيولوجية التي تكشفها الخزعة. كما نأخذ في الاعتبار عمر المريضة، وحالتها الصحية العامة، ووضعها بالنسبة إلى انقطاع الطمث، وتفضيلاتها الشخصية.
بالنسبة إلى بعض النساء، تكون الجراحة الخطوة الأولى، فيما تستفيد أخريات من تلقّي العلاج الكيميائي أو العلاج الموجّه أو العلاج المناعي قبل الجراحة، بهدف تقليص حجم الورم وتحسين النتائج. وقد يؤدّي العلاج الإشعاعي والعلاج الهرموني أيضاً دوراً مهماً. ومن أبرز التطوّرات في طب الأورام الحديث قدرتنا على تعديل العلاج بحسب استجابة السرطان، سواء من خلال تكثيفه عند الضرورة أو تخفيفه بأمان عندما تكون الفائدة الإضافية المتوقّعة محدودة. فهدفنا لا يقتصر على شفاء عدد أكبر من المريضات، بل يشمل أيضاً الحفاظ على جودة حياتهن.
ما دور العلاجات الموجّهة والعلاج المناعي في سرطان الثدي، ولأي حالات تُستخدم؟
أحدثت العلاجات الموجّهة والعلاج المناعي تحوّلاً كبيراً في علاج سرطان الثدي خلال العقد الماضي. فعلى خلاف العلاج الكيميائي التقليدي، الذي يؤثّر في العديد من الخلايا سريعة الانقسام، تستهدف الأدوية الموجّهة آليات بيولوجية محدّدة تعتمد عليها الخلايا السرطانية للبقاء والنمو. فعلى سبيل المثال، ساهمت العلاجات الموجّهة ضد بروتين HER2 في تحسين مستقبل المريضات المصابات بسرطان الثدي الإيجابي لهذا البروتين بشكل جذري، فيما حسّنت أدوية أحدث، مثل مثبّطات CDK4/6، نتائج العلاج في بعض أنواع سرطان الثدي الحسّاسة للهرمونات.
أما العلاج المناعي، فيعمل بطريقة مختلفة، إذ يساعد جهاز المناعة لدى المريضة على التعرّف إلى الخلايا السرطانية ومهاجمتها، وأصبح خياراً مهماً لبعض المريضات المصابات بسرطان الثدي الثلاثي السلبي، بما في ذلك بعض الحالات المبكرة.
كما توفّر التطوّرات الحديثة في الأدوية التي تجمع بين الأجسام المضادّة والعلاج الكيميائي خيارات إضافية في المراحل المبكرة والمتقدّمة من المرض. وتساعدنا هذه الابتكارات في تحقيق فترات بقاء أطول، وسيطرة أفضل على المرض، وفي كثير من الحالات، زيادة فرص الشفاء.
كيف يغيّر تعاون التخصصات مسار المريضة من أول صورة للثدي إلى قرار العلاج؟
أصبح علاج سرطان الثدي اليوم قائماً بصورة أساسية على العمل الجماعي بين مختلف الاختصاصات الطبية. ففي مركز متكامل لعلاج السرطان، مثل مركز كليمنصو الطبي، يتعاون أطباء الأورام، وجرّاحو الثدي، واختصاصيو الأشعة، وأطباء التشريح المرضي، وأطباء العلاج الإشعاعي، واختصاصيو الوراثة، والعلاج النفسي، وغيرهم من العاملين في الرعاية الصحية، لوضع الاستراتيجية العلاجية الأنسب لكل مريضة. ويضمن هذا النهج المتعدّد الاختصاصات دراسة القرارات المهمة، ومنها تحديد ما إذا كان من الأفضل البدء بالجراحة أو بالعلاج الدوائي، من وجهات نظر طبية مختلفة. كما يتيح لنا الاهتمام بجوانب أساسية أخرى من الرعاية، مثل إعادة ترميم الثدي، والحفاظ على الخصوبة، والدعم النفسي، والمتابعة الطويلة الأمد.
ومن المهم أيضاً تحديد النساء اللواتي لديهن خطر وراثي مرتفع للإصابة بسرطان الثدي، واللواتي قد يستفدن من الاستشارة الجينية وبرامج الكشف المبكر المكثّفة. ففي النهاية، تعني الرعاية الناجحة لمرضى السرطان الاهتمام بالمريضة كإنسان متكامل، وليس معالجة الورم وحده.
كيف ساهمت التطورات الحديثة في الفحوصات الجينية، ولا سيما تقنية التسلسل الجيني من الجيل الجديد (NGS)، في تحديد النساء الأكثر عرضة للإصابة بسرطان الثدي وتعزيز فرص الوقاية منه قبل حدوثه؟
لقد فتحت التطورات الحديثة في مجال الفحوصات الجينية، ولا سيما تقنية التسلسل الجيني من الجيل الجديد (Next-Generation Sequencing – NGS)، آفاقاً جديدة للوقاية من سرطان الثدي.
وتتيح لنا هذه التقنية تحليل عدد كبير من الجينات في الوقت نفسه، والكشف عن الطفرات الوراثية، مثل BRCA1 وBRCA2 وPALB2، التي قد تزيد بشكل ملحوظ من خطر الإصابة بسرطان الثدي خلال حياة المرأة. ويساعد اكتشاف هذه الطفرات، خصوصاً لدى النساء اللواتي لديهن تاريخ عائلي للإصابة بالسرطان، على وضع استراتيجيات وقائية مخصّصة لكل امرأة بحسب مستوى الخطورة لديها. وقد تشمل هذه الإجراءات البدء بالفحوصات الدورية في سن مبكرة، وتكثيف المراقبة باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي والتصوير الشعاعي للثدي (الماموغرام)، أو استخدام أدوية تقلّل من خطر الإصابة، وصولاً إلى الجراحة الوقائية في بعض الحالات عالية الخطورة. كما تتيح هذه الفحوصات تحديد أفراد العائلة الذين قد يحملون الطفرات الوراثية نفسها، وبالتالي مساعدتهم على اتخاذ التدابير الوقائية المناسبة. وهكذا، تساهم تقنية NGS في نقلنا من مرحلة الاكتفاء بالكشف المبكر عن سرطان الثدي إلى مرحلة تحديد النساء الأكثر عرضة للإصابة به، والعمل على الوقاية منه قبل حدوثه.
رسالة ختامية بمناسبة شهر التوعية بسرطان الثدي
يشكّل شهر تشرين الأول فرصة مهمة لتذكير النساء بأن الكشف المبكر ينقذ الأرواح. ويبقى التصوير الشعاعي الدوري للثدي، أو الماموغرام، بدءاً من العمر المناسب وبحسب مستوى الخطورة لدى كل امرأة، من أكثر الوسائل فعالية لاكتشاف سرطان الثدي قبل ظهور الأعراض.
وقد تستفيد النساء اللواتي لديهن تاريخ عائلي قوي للإصابة بالمرض أو استعداد وراثي من بدء الفحوصات في عمر أبكر، وإجراء التصوير بالرنين المغناطيسي للثدي، واعتماد استراتيجيات وقائية خاصة. كما أن الحفاظ على وزن صحي، وممارسة النشاط البدني بانتظام، والحدّ من استهلاك الكحول، يمكن أن يسهم ذلك في تقليل خطر الإصابة بسرطان الثدي.
واليوم، بفضل التقدّم الاستثنائي في وسائل التشخيص والعلاج، أصبح من الممكن شفاء العديد من النساء المصابات بسرطان الثدي، ولا سيما عندما يُكتشف المرض في مراحله المبكرة. رسالتنا هي رسالة وعي ووقاية وأمل.




