مقالات طبية

الكليات الطبيّة بعد كورونا

الكليات الطبيّة بعد كورونا

تخصصات جديدة وبرامج تحاكي المستقبل

تحدّث العديد من الباحثين والمعنيين عن تغيّرات كثيرة سيشهدها العالم بعد انحسار فيروس كورونا. ومن هذه التغيّرات بروز تخصصات جديدة يُنتظر أن تلقى إقبالاً كبيراً بعد انحسار الوباء، وسط توقعات أن تُخلّف الأزمة ملايين العاطلين عن العمل في العالم. ويُنتظر أن يكون الطلب عالياً على استشاريي مواجهة الأزمات وعلى الإستشاريين الماليين. ويتوقع الخبراء أن يقوم عدد كبير من الشركات بالانتقال للعمل عن بعد، لذلك سيزداد الطلب على المبرمجين، بالإضافة لمختصين في مجال تنظيم الوقت. غير أن الأبرز ما سيشهده الطب وعالم الصحة من تطورات وبروز تخصصات جديدة تحاكي المستقبل وتواكب ما رسّخته الجائحة من تغييرات. وقد بدأت كليات الطب تشق هذا الطريق وتفتح مجالات جديدة للطلبة. فما هي هذه التخصصات وهل بدأت بالفعل؟

بعد انتشار أزمة فيروس كورونا ثبت لمن كان لم يثبت لديه بعد، أن الطب استعاد مكانته كأهم علم لدى الإنسان، فقد ارتفع شأن الأطباء في العالم كله بعد أن أصبح الطب وعالمه الأمل الأول والأخير في اكتشاف العلاج والمصل اللذين سينقذان العالم. لم يعد العالم يهتم لأي من القطاعات الأخرى. توقف الطيران، توقفت المصانع، توقفت الفعاليات لكن الهم كان ألا يتوقف مستشفى عن تقديم الخدمة لمصاب. لذلك، وبحسب رأي العديد من الخبراء في المجالين الطبي والتعليمي فإن دراسة الطب ستنتقل إلى مكانة أرفع مما كانت عليها، وستتفرع منها تخصصات لم تكن معروفة من قبل وستصبح أساسية مع التحولات الكبيرة التي خلفتها الجائحة. 

بعد الإقبال المسجّل والمنتظر على التخصصات الطبّية، يُتوقّع أن تحتاج الجامعات إلى التوسّع في كليات الطب بأنواعها المختلفة، وسيصبح من المهم تطوير العلوم الطبية والمؤسسات 

التي تدرِّسها لتواكب هذا الطلب المتزايد. أيضًا ستضع المؤسسات التي تدِّرس الطب مسألة إنقاذ العالم من الأوبئة في أولوياتها لما رأيناه في الأشهر الماضية، مما سيؤثر على المناهج وتطورها، ويزيد من محاولة التركيز على زرع القيم الطبية لدى طلاب الطب. أزمة كورونا أثبتت الحاجة الملحة إلى كوادر متخصصه في جوانب العلوم الطبية الطارئة، علوم الرعاية التنفسية، تحاليل المختبرات الطبية والبحوث المخبرية، الإدارة الصحية وضبط تفشي الأمراض، خبراء المساعدة والمساندة الطبية والبيوتكنولوجيا.

تحولات ما بعد كورونا

يؤكد العديد من المختصين أن علم الأوبئة زادت أهميته بعد ظهور أزمة انتشار فيروس كورونا، وهو علم مختص بدراسة الأوبئة وتحليل معطياتها ومدى تأثيرها على المجتمعات وعلى العالم. وأنه بعد أزمة كوفيد– 19 وتداعياتها الكبيرة سينشط هذا العلم المتعلق بالطب بشكل كبير. ويُنتظر أن تزداد الرغبة في دراسته والبحث خلفه، ومعرفة تفاصيله والتعمّق فيه. وقد بات علم الأوبئة من أهم العلوم التي أثّرت عليها أزمة فيروس كورونا، خصوصا بعد أن أصبح منتشرًا في كل دول العالم. 

ولطالما لعبت المستشفيات الطبية التعليمية دورًا كبيرًا في احتواء العزل الصحي الخاص بكورونا في جميع الدول التي أصابها الوباء. وقد أدى ذلك إلى دفع الجامعات لزيادة الإستثمار في هذه المستشفيات بشكل كبير، مما سيعزز العملية التعليمية الطبية في كل مكان. كما ومن المتوقع أن تزداد المنح في هذا المجال في مختلف الجامعات حول العالم، سواء لسد الثغرات التي كشفها التعامل مع الفيروس، أو لتلبية الطلب الذي سجل ارتفاعا على الإختصاصات الطبية لا سيما الجديدة منها.

وقد بدأت الجامعات بالإعلان عن برامج دراسية جديدة للماجستير تتصل بالعلوم الطبية، تزامن طرحها مع أزمة تفشي كورونا، مثل ماجستير العلوم في تمريض العناية الفائقة للبالغين بكليات العلوم الصحية، ماجستير العلوم في الصحة البيئية، ماجستير في العلوم والهندسة البيئية بكليات الهندسة في عدد من الجامعات المعروفة. إلى جانب برامج دكتوراه في الصيدلة تتلاءم مع المستجدات والتطورات التي فرضتها الجائحة، لناحية الأدوية الجديدة أو تطور العلاقة بين الصيدلية والمريض.

وبرزت تخصصات متعددة تمثل التكنولوجيا العامل المشترك في ما بينها، وتطوير برامج تركّز على الأعمال التطبيقية وليس النظرية فقط، وتطوير مناهج تخصصات الرعاية الصحية الداعمة والتخطيط الإستراتيجي وإدارة الأزمات للتعامل مع المستجدات غير التقليدية حيث لم يعد الإطار التقليدي للمناهج وطرق التدريس فعالاً. ويعتبر القيّمون على الجامعات والمعاهد الطبية ألّا بديل عن إيجاد تغييرات جذرية في مخرجات التعليم وآليات التقويم واستخدام طرق عديدة تدمج بين الافتراضي والتقليدي، وذلك يتطلب مهارات خاصة في التدريس واستخدام الموارد والمصادر تربوياً وتقنياً وسلوكياً.

وتقول الجامعات إنها بصدد تحديث وتطوير جميع تخصصاتها الحالية في المجالات الطبية والإدارية والمعلوماتية وخصوصاً المرتبطة بالأزمات والكوارث، إلى جانب إعداد برامج دراسية تأخذ بالاعتبار التحوّل الإقتصادي والرقمي والإعتماد على الذكاء الاصطناعي وبرامج عن استشراف المستقبل عبر تحليل البيانات الضخمة.

كليات وتخصصات جديدة

بدأت الكلية الطبيّة مؤخرا طرح برامج جديدة تتناسب والواقع الطبي الجديد بعد تجربة كورونا، منها بكالوريوس العلوم في الرعاية التنفسية وبكالوريوس العلوم في الرعاية الطبية الطارئة بهدف تنويع البرامج الطبية في التخصصات المطلوبة محلياً ودولياً والتركيز على إعداد كوادر متخصصة في المجالات الطبية بسبب الحاجة الملحة للتخصصية في الشهادات العلمية ضمن القطاع الطبي. ويرى مسؤولون عن كليات طبيّة في منطقة الخليج أن تخصصات العلوم الطبية والتكنولوجيا ستشهد إقبالاً متزايداً لما أثبتته من أهمية، وحاجة البشرية لها خلال الفترة المقبلة محلياً وعالمياً فضلاً عن الإحتياج الكبير لكوادر متخصصة في أوقات الأزمات والكوارث. ويلفتون إلى أن أهم التخصصات التي ستطرح وستشهد تزايداً وزخماً هي إدارة الأزمات رقمياً، لوجستيات الأزمات، البيوتكنولوجيا، الذكاء الإصطناعي وصناعة القرار، بالإضافة إلى الهندسة البيولوجية وعلوم تحاليل المختبرات الطبية والبحوث الفيروسية والمخبرية والخدمات الطبية المساندة بمختلف تفرعاتها. ويشيرون إلى أن معظم هذه التخصصات موجودة على مستوى عالمي والبعض منها وليد التطورات الأخيرة، متوقعين أن تزداد وتيرة طرح تلك البرامج في المنطقة قريباً خلال السنتين القادمتين بمنظور جديد يركز على التجربة العالمية من جائحة كورونا وبأساليب تعليمية تقنية متطورة.

ويهدف ذلك إلى إعداد كوادر متخصصة للإستفادة من قدراتها خلال الأزمات، ومنها تخصصات البكالوريوس في البيولوجيا الجزيئية والخلوية ومسار فرعي في الأمن الإلكتروني والذكاء الإصطناعي في تخصص هندسة الكمبيوتر وعلوم الكمبيوتر إلى جانب مسار فرعي في الميكاترونكس. ومن الجامعات ما عمل على تضمين البرامج مواد جديدة في مختلف التخصصات العلمية تتعلق بإدارة الأزمات والإسعافات الأولية والتعامل مع الطوارئ، لما لها من دور كبير في مساندة الطلاب ليكونوا فاعلين ضمن تخصصاتهم الحالية. واقترح مديرون وأساتذة جامعيون دمج التخصصات لتخريج أجيال متعددة المهارات، ودراسة احتياجات السوق بصورة مستمرة والتركيز على التخصص في إدارة الازمات رقمياً.

الخليج ومواكبة الحداثة

إن ما شهده العالم في مكافحة فيروس كورونا أظهر الحاجة الملحة لأن يتسلح كل طالب بالمعرفة المرتبطة بالأزمات بمختلف أنواعها حتى يمتلك المهارات اللازمة ليكون أكثر مرونة مستقبلاً. وهذا ما راحت تعمل عليه بقوة مختلف الجامعات حول العالم ومنها طبعا الجامعات في العالم العربي والخليج تحديداً. ففي منطقة الخليج استحدثت جامعات عديدة تخصصات ومساقات دراسية جديدة للطلبة، منها ما جاء بسبب تداعيات الأزمة الصحية العالمية كوفيد– 19 والتجارب التي مرت بها دول العالم، وأخرى تواكب توقيت الجائحة بناء على حاجة سوق العمل.

ومن أبرز تلك التخصصات، برامج جديدة في كليات العلوم الصحية تتعلق بالتحاليل الطبية وعلم الوراثة الجزيئية والبيولوجيا الجزيئية والخلوية، تخصصات في إدارة الأزمات، استشراف المستقبل عبر تحليل البيانات الضخمة، دبلوم دراسات عليا في تطبيقات تكنولوجيا الأشعة فوق الصوتية في كلية الطب ومسارات فرعية في الميكاترونكس كذلك الأمن الإلكتروني والذكاء الاصطناعي، وماجستير في التحول الرقمي ونظم المعلومات، وأخرى في إدارة الرعاية الصحية، إلى جانب تحديث تطوير تخصصات حالية في المجالات الطبية والادارية والمعلوماتية وخصوصاً المرتبطة بالأزمات والكوارث. 

وكشفت جامعات بارزة عن طرح برامج جديدة في كليات العلوم الصحية، وهي تحاليل المختبرات الطبية، علم الوراثة الجزيئية والطبية والتغذية والحميات، لمواكبة الاحتياجات الحالية في ظل الأزمة الصحية الراهنة وكذلك المستقبلية المرتبطة بسوق العمل، مبينة أنها ركزت اهتمامها على افتتاح هذه الكليات بالتزامن مع التوقعات بتزايد اهتمام الجامعات المحلية في طرح التخصصات العلمية والطبية والتقنية وإدارة الأزمات. 

وبينت أن برامج كليات الهندسة والعلوم الصحية الجديدة تلبي الاحتياجات في المجالات الهندسية والتكنولوجية ومنها الهندسة الطبية الحيوية وهندسة أمن الفضاء الإلكتروني والهندسة الصناعية، وتُعتبَر كل منها برامج مهمة جداً وتشهد إقبالاً كبيراً للتسجيل فيها.

وأكدت الجامعات المذكورة أنه من المتوقع افتتاح تخصصات جديدة لاحقاً، مبينة أنه تتم دراسة احتياجات السوق بصورة مستمرة ضمن خطة مدروسة لاستحداث واعتماد البرامج الجديدة بالتعاون مع وزارات التربية والتعليم في دول مجلس التعاون، ساعية لضمان طرح برامج تلبي الاحتياجات والتطلعات وتستقطب الطلبة لدراستها. وفي هذا السياق، تُعقد ندوات تعريفية باستمرار للتعريف بالبرامج المتاحة حالياً في التخصصات التي تشهد حالة ملحة سواء حالياً أو في المستقبل.

ولفت أيضا استحداث ماجستير في الإرشاد وعلم النفس، تلبية لمعالجة التداعيات النفسية الكبيرة التي تركتها جائحة كورونا في المجتمعات التي أصابتها. وأبدى بعضها اعتزامه إعادة طرح برنامج الماجستير في إدارة الرعاية الصحية قريباً. ويجري حالياً إعداد برامج ماجستير جديدة يُتوقع إطلاقها في العام الجامعي 2021 – 2022. وبحسب أطباء وأكاديميين فمع الوقت قد تظهر الممارسة الحاجة لتخصصات أخرى، لن تتوانى الجامعات في إدخالها ضمن برامجها تلبية للطلب وتحسينا للمستوى الطبي والإستشفائي في المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى