كورونا

ظاهرة “كوروناسومنيا” وأمراض العمل من المنزل

ظاهرة “كوروناسومنيا” وأمراض العمل من المنزل

أعراض جسدية ونفسية وتَغيُّر في برمجة العقل… ماذا يقول الأطباء؟

فرضت جائحة كورونا إغلاقاً للأعمال في كل العالم، وحجْراً في المنازل للحد من تفشي العدوى. هذا الإغلاق الذي كان كارثياً على الإقتصاد العالمي، تطلّبَ مواصلة الأعمال من المنزل. لكن بعد مرور وقت غير قصير على هذا العمل القسري، تبيّن أن له مضاعفات صحيّة جسدية ونفسية لا تقل أهمية وخطورة عن سائر الأعراض التي تنتابنا بنتيجة الأمراض المتعدّدة. فالعمل من المنزل بالنسبة لكثير من الأشخاص، يكون مرادفاً للعمل من السرير. فبات الفراش بمثابة المتجر الذي نمارس منه المراسلة وإنجاز الأعمال والتجارة الإلكترونية وغيرها… وقد أظهرت دراسات عديدة أجريت على هذا الصعيد، أن أعداداً كبيرة من الناس كانت تزاول أعمالها من السرير أثناء الإقفال، وأن نسبة غير قليلة من هؤلاء راحت تعاني من مضاعفات أثبتت الفحوص أنها ناتجة عن هذه الممارسة.

 فمنهم من بدأ يعاني الإكتئاب ومنهم آلام الظهر والكتفين والرأس إضافة إلى الجهاز الهضمي وبعض الأوجاع في الكلى. فلماذا يحدث ذلك، وما هي التوجيهات الطبّية؟

بعد تزايد أعداد المراجعين نتيجة مشاكل صحيّة تبيّنَ أنها ناتجة عن ممارسة الأعمال من المنزل لأوقات غير قصيرة وبوضعيات غير سليمة، وبعد دراسات أجريت على مخاطر العمل من المنزل بوضعيات غير ملائمة، راح الأطباء ينبّهون إلى هذا الجانب من الحياة، لافتين إلى مخاطره على الصحّتين النفسية والجسدية، ومشددين على إرشادات محددة تساعد في حماية الصحة وتمرير فترة الحجر بأقل أضرار ممكنة. يوضح ذلك ما أوردته دراسة أجريت في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، حيث قال 72 في المئة من بين 1000 شخص شملتهم الدراسة في الولايات المتحدة، إنهم أثناء انتشار وباء كورونا قاموا بمهام أعمالهم وهم في منازلهم، وفي الفراش تحديداً. وهذا أكثر بـ 50 في المئة مقارنة بما كان عليه الوضع حين بدأت الجائحة. وذكر واحد من بين كل 10 أشخاص أنه أمضى معظم أو كامل ساعات العمل الأسبوعية أي ما بين 24 إلى 40 ساعة أو أكثر، في السرير. اللافت أن هذا الواقع تبيّن أنه ينطبق بشكل خاص على الشباب، ففي المملكة المتحدة، أصبح احتمال أن يكون لدى العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاما، مكتب وكرسي هو الأقل، مقارنة بالعاملين من شريحة عمرية مختلفة. كما أن احتمال اختيارهم العمل من الفراش يعادل ضعف ما قد يفعله الأشخاص الأكبر سنّاً.

وتشير الدراسة إلى أن الإتجاه إلى العمل من السرير ليس سببه الإفتقار إلى مقعد مناسب فقط، وإنما الأمر ببساطة هو أن معظم من الناس يحبون السهولة والشعور براحة السرير ودفئه. واليوم، هناك الآلاف من الصور على إنستغرام تحت وسم #العمل_من_السرير أو workingfrombed#، وكثير منها لأشخاص مبتسمين، يجلسون في أسرّتهم باسترخاء وهم يرتدون ملابس النوم وبجوارهم كوب قهوة أو ربما صينية عليها طعام الفطور. وتضيف أن تحويل سريرك إلى مكتب يمكن أن يفضي إلى عدد من المشاكل الصحية والنفسية والجسدية. حتى وإن لم تلاحظها الآن، فقد تظهر نتائجها السلبية في وقت لاحق، وقد تكون دائمة.

وربما يمتلك بعض الناس مكتباً يمكن وضع جهاز الكمبيوتر عليه، أو حتى طاولة مطبخ، إلا أنهم يختارون عدم القيام بذلك، مفضّلين راحة السرير. لذلك فمن المهم أن نُدرك أنّ العمل من المنزل هو امتياز، وقد لا يكون متاحاً لمئات الملايين من الناس. كما أنّ المساحة المناسبة والمجهزة بكافة مستلزمات العمل غير متوفرة بالنسبة لكثير من العاملين عن بُعد، وهذا يعني أن العمل من السرير قد يكون خيارهم الوحيد. لكنه بالنسبة لآخرين يكون الخيار الأسهل الذي يتطلب أقل قدر من الجهد.

وأظهر مسح متخصص أن مبيعات “طاولات الفراش” ووسائد الرفع إلى أعلى، زادت بنسبة لافتة. وقالت شركة إتسي لمبيعات التجزئة إن هناك زيادة بنسبة 606 في المئة في البحث عن حاملات اللابتوب في الفترة الأخيرة مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، علاوة على ارتفاع كبير في عدد عمليات البحث عن طاولات اللابتوب بواقع 347 في المئة.

أعراض وأمراض

يستند الخبراء إلى كل هذه المعطيات ليحذّروا من الإستسلام لهذا الإغراء، ويقولون إنه بغض النظر عما إذا كان تجنب العمل من السرير ممكناً أم لا، فالنصيحة المفيدة تظل نفسها: هذا غير جيد، لا لجسمك ولا لصحتك، ومن المهم جداً تبديل وضعية الجلوس باستمرار، وكذلك طريقة استناد الجسم، وتغيير الجزء الذي تستند عليه كلما أمكن ذلك.

ويشددون من النواحي الصحيّة على أن الرقبة والظهر والفخذين تتعرض لمزيد من الضغط والإجهاد عندما يكون المرء جالساً على سطح لين يشجّع على الإستلقاء أو التمدّد. ولهذا مضار على أعضاء عديدة في الجسم، الأمر الذي تشير إليه مديرة قسم هندسة نظام الرعاية الصحية في “مايو كلينيك”، سوزان هالبيك، إذ تقول: “ليس هناك أي وضع مناسب في السرير، فجسمك غير مستند بطريقة تساعد على العمل”. وتشير إلى أن الشباب بشكل خاص هم عرضة للوقوع ضحية هذه العادة السيئة، لأنهم قد لا يشعرون بأضرارها على الفور. لكن الألم سيتصاعد مع الوقت. وتبعا لمدى سوء العادات التي اكتسبت خلال العام الماضي، فقد يكون الضرر حدث بالفعل. ويعتمد الأمر على الشخص، لكن قد يكون الوقت قد فات لتدارك المشاكل التي سيتعين مواجهتها مع التقدم في السن، والناتجة عن بيئة العمل السيئة. ويمكن أن تكون هذه الأمراض عبارة عن صداع بسيط، وقد تتوسع لتشمل التصلّب الدائم في الظهر والتهاب المفاصل، وما يعرف بآلام العنق، وهو ألم في عظام وأربطة الرقبة وعضلاتها. ولذلك فإن أي شيء أفضل من الإستمرار في هذه العادة السيئة. ومتى أمكن التوقف عنها، فلنتوقّف فوراً. 

ويرى الأطباء أنه عندما تعمل من الفراش طوال عام كامل، فالنتائج السيئة لا تقتصر على الجسم فقط، وإنما من المحتمل أن يشمل ضررها تراجع إنتاجيتك واضطراب عادات نومك أيضا. وتقول أستاذة علم الأعصاب وخبيرة النوم في جامعة جونز هوبكنز بولاية ماريلاند الأميركية، راشيل سالاس: “بوصفنا أخصائيين في اضطرابات النوم والأرق، نوصي بأن يكون السرير مخصصاً لما هو معد له أصلاً وليس للعمل خصوصاً لفترات طويلة”.

مخاطر نفسية وعقلية 

يقول الأطباء إن الضرر لا يقتصر على الأضرار الجسدية بل يتعداها إلى النفسية والسلوكية ايضاً. فكلما قضيت مزيداً من الوقت في مشاهدة التلفزيون أو ممارسة ألعاب الفيديو وأنت في الفراش بدلاً من النوم، يبدأ عقلك في برمجة جديدة تعتبر أن بإمكانك القيام بهذه الأنشطة في السرير. وهكذا يبدأ بالربط بين السرير وهذه الأشياء، إلى أن يتطور الأمر في النهاية ليصبح من السلوكيات المشروطة. وهذا يعني أن العقل يصل إلى مرحلة الربط الكامل بين السرير وممارسة أنشطة لا علاقة لها بالنوم.

وبحسب الدراسات، يخالف هذا الأمر تماماً ما يُعرف بـ “النوم النظيف” (أو النوم السليم)، وهو مصطلح يعني ممارسة أفضل السلوكيات المتعلقة بالنوم. في حين يعتبر البحث عن آخر الأخبار على الإنترنت أو إرسال بريد إلكتروني في السرير، من الممارسات التي تخالف قواعد النوم السليم. ويقول تقرير لـ”بي بي سي” إنه عندما تنشئ متجراً إلكترونياً وأنت في سريرك، وتستخدم الكمبيوتر المحمول أو الهاتف الذكي أو منصة خدمات “سلاك”، وكل تلك الشاشات المضيئة بشكل يومي، يتوقّف عقلك وجسمك في النهاية عن ربط السرير بالراحة. ويُعتبَر هذا أحد أهم أسباب شيوع ظاهرة “كوروناسومنيا” أي “أرق الكورونا”، في إشارة إلى ارتفاع حالات الأرق واضطرابات النوم في العالم بالتزامن مع انتشار كوفيد – 19.وإذا كانت هذه الحالات غير عامة، أي أن هناك من لا يشعر بها فليس لأنها غير ضارّة فعلاً بل لأن الأمر يعود إلى طبيعة كل جسم كما هو الحال مع أمراض أخرى. كما أن مدى تضرُّر الشخص جراء العمل في السرير يتعلق بعوامل وراثية وبيئية، ومدى سوء عاداته، ومدة ممارسته لها، إلى جانب عمره. وهذه العوامل تحدد ما إذا كان العمل من السرير لمدة عام أو أكثر سيعود بنتائج سيئة فعلا، أم لا. ومن المهم معرفة أن الجسم والعقل، قد لا يشعران بالتداعيات حالياً، لكن تضررهما سيظهر يوما ما. 

واستناداً إلى ذلك، يمكن القول أن عوارض وأضرار جائحة كورونا لا تقتصر فقط على المصابين بها، بل على معظم البشرية كل بحسب وضعه.  وربما يكون هذا سبباً إضافياً آخر يدعو للقلق في عصر جائحة كورونا. لكن إذا كانت هذه الفترة العصيبة قد علمتنا شيئاً، فهو أنه حين يتعلق الأمر بالصحة، فمن الأفضل توخي الحذر لنظل في أمان، بدل أن نشعر لاحقاً بالأسف. ومن هنا تأتي التحذيرات التي تضيء عليها مجلة “المستشفى العربي” لفائدة متابعيها في الوطن العربي والعالم.

تحذيرات من التداعيات

يحذّر العديد من المختصّين في الرعاية الصحية من جراحي العظام وخبراء النوم من مخاطر هذا الاتجاه الجديد لدى الناس العاملين من منازلهم. وقالت صوفي بوستوك، مؤسِّسة موقع “ذي سليب ساينتست”: “غالباً ما يكون هناك احتمال قوي لأن تشعر بالاسترخاء والراحة عندما تكون في الفراش، وهو أمر جيّد على المدى القصير. لكن بمرور الوقت، قد يؤدي العمل في الفراش إلى فقدانك القدرة على النوم”.

ومن شأن الاستمرار على هذا لنحو عاماً مثلاً، أو أي فترة طويلة، أن يؤدي إلى أرق مزمن، أو ما يسمى باضطراب الساعة البيولوجية. وهذا يحدث عندما تتعطل لوقت طويل ساعة أجسامنا الطبيعية، والتي تخبرنا عادة بحلول وقت النوم. كما أنه من الممكن تفاقم مشاكل أخرى موجودة وغير متعلقة بالنوم، مثل متلازمة تململ الساقين، وهي حالة يشعر خلالها الشخص بعدم راحة فيهما وبحاجة مستمرة إلى تحريكهما. 

توجيهات لتحسين الوضع

هناك مساحة في المنزل تسمح باختيار غرفة أخرى للعمل. وتضيف مؤسسة موقع سليب سيانتست: “بعض الناس ليس لديهم خيار آخر، لا بد من تعلّم كيفية الفصل النفسي بين منطقة النوم ومنطقة العمل”. وتقترح للتغلب على هذه المشكلة إلقاء غطاء بلون مختلف على الفراش، أو تغيير الإضاءة، أو تبادل الأماكن مع الأطفال – السماح لهم واستذكار الدروس في غرفة نومك بينما أنت تعمل في غرفتهم. وتضيف: “إذا كنت مضطراً للعمل في غرفة النوم فأحضر طاولة وضَعها تحت النافذة في غرفة النوم. فالجلوس إلى الطاولة يضعك في وضعية جامدة، وربما يأتيك الإبداع في شكل أفضل”.

وإذا كنت مضطراً لمواصلة العمل من السرير، فإن السوء له درجات، لذلك: 

  • عليك أن تجلس كما لو أنك على كرسي ذي ظهر منتصب قدر الإمكان، وحاول اتخاذ وضع محايد، أي تجنّب وضع ثقلك على جزء معين من جسمك أو الضغط عليه.
  • من المفيد أيضاً ثني وسادة ووضعها عند أسفل الظهر لدعم منطقة الفقرات القطنية، وكذلك وضع وسائد تحت الركبتين. 
  • إذا كان بالإمكان، حاول فصل شاشة الكمبيوتر عن لوحة المفاتيح، بحيث تكون الشاشة على مستوى نظرك أو أعلى منه. 
  • تجنب الإستلقاء على معدتك أثناء الكتابة، لأن هذا يتسبب في إجهاد حقيقي للرقبة والمرفقين.
  • على الناس المضطرين للعمل من المنزل ولا تتوفر لديهم الوسائل، البحث عن حلول مبتكرة مثل استخدام طاولة المكواة كمكتب مثلا. 
  • يتعيّن على من سيعمل من المنزل لفترة طويلة – وهذا حالنا في الوقت الحاضر – شراء لوازم العمل من مقعد ومكتب، لأن الأمر يستحق فعلاً التضحية ببعض المال من أجل حماية الصحة.

ظاهرة “كوروناسومنيا”، مرض مستجد يستحق المتابعة من الجهات الصحية ومن المعنيين أنفسهم. فجميعنا فرضت علينا هذه الجائحة نمط حياة جديداً يحمل الكثير من التغييرات والأعراض التي يتوجّب تيقّن مخاطرها والتعاطي معها بدراية ووعي، لتجنب ما أمكن من التهديد لثروتنا: الصحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى