تنظير باطن الرحم: استكشاف اسرار الرحم
تنظير باطن الرحم: استكشاف اسرار الرحم
د. أسماء عبدالسلام، استشارية أمراض النساء والتوليد في المستشفى الأهلي \ قطر

تنظير الرحم هو رؤية التجويف الرحمي بالكامل باستخدام منظار الرحم، وهو جهاز ليفي بصري متصل بكاميرا ومغطى بغلاف معدني. يسمح هذا الغلاف بدخول وخروج السوائل لتمديد التجويف الرحمي، إضافةً إلى وجود قناة تشغيلية لإدخال المقصات، والملقط، وحلقات الاستئصال، وغيرها من الأدوات. يمكن أن يكون تنظير الرحم تشخيصيًا، إذ يتيح الرؤية المباشرة للتجويف الرحمي وتقييمه بدقة للكشف عن أي تشوهات أو آفات داخل الرحم. كما يمكن أن يكون علاجيًا (جراحيًا)، حيث يُستخدم لعلاج العديد من أمراض الرحم، مثل استئصال الزوائد اللحمية (البوليبات)، والأورام الليفية تحت المخاطية، وإزالة الحاجز الرحمي، وغيرها من الإجراءات العلاجية داخل التجويف الرحمي.
لمحة تاريخية
وُصف تنظير الرحم لأول مرة على يد بوزيني (Bozzini) عام 1805، إلا أن أول استخدام له في طب النساء كان عام 1869 على يد بانتاليوني (Pantaleoni) باستخدام منظار مثانة معدل. وفي عام 1925، أدخل روبن (Rubin) استخدام ثاني أكسيد الكربون لتمديد التجويف الرحمي.
لاحقًا، استُبدل الغاز بوسائط التمديد السائلة مثل المحلول الملحي الطبيعي وجلايسين 1.5% على يد غاوس (Gauss) عام 1934. تلت ذلك تحسينات مستمرة في تقنيات البصريات والإضاءة حتى عام 1970، حين أدخل هامو (Hamou) التنظير الرحمي المجهري والتنظير التلامسي. وبحلول عام 1980، دخل تنظير الرحم الجراحي حيز الممارسة السريرية لعلاج مختلف أمراض الرحم الداخلية. في تسعينيات القرن الماضي، أصبح تنظير الرحم ممارسة شائعة في العيادة. ومنذ عام 2000 وحتى الوقت الحاضر، تم إدخال المناظير الرحمية الصغيرة، وتقنية التنظير المهبلي (Vaginoscopy)، وتقنية عدم اللمس (No-touch technique) إلى الممارسة الحديثة. في طب النساء الحديث، أصبح تنظير الرحم التشخيصي والعلاجي هو المعيار الذهبي لتقييم وعلاج آفات الرحم داخل التجويف الرحمي.
لماذا ومتى يُستخدم تنظير الرحم؟
- تصحيح تشوهات عضلة الرحم مثل الرحم ثنائي القرن، الرحم أحادي القرن، الرحم على شكل T، الحاجز الرحمي، والأورام الليفية تحت المخاطية.
- تشخيص وعلاج اضطرابات بطانة الرحم مثل النزف الرحمي غير الطبيعي، فرط تصنع بطانة الرحم، ضمور بطانة الرحم، بوليبات باطن الرحم، سرطان بطانة الرحم، وسماكة بطانة الرحم لدى النساء بعد سن اليأس.
- تنظيم الأسرة، بما في ذلك العقم عبر إغلاق الفوهة القريبة لقناتي فالوب.
- استكشاف التجويف الرحمي للبحث عن أجسام غريبة مثل مثل اللولب الرحمي أو خيط اللولب المفقود، وإزالة الالتصاقات داخل الرحم (Synechiae).
- استئصال بوليبات عنق الرحم، واستئصال الحواجز الرحمية الممتدة إلى عنق الرحم، وتوسيع تضيق عنق الرحم.
- في حالات فشل أطفال الأنابيب المتكرر أو الإجهاض المتكرر، وكجزء من تقييم العقم الروتيني قبل عمليات الإخصاب المساعد، الناتجة عن بوليبات صغيرة وقريبة من فوهة قناة فالوب أو تسهيل نقل الأجنة في حالات تضيق عنق الرحم.
- تنظير الجنين (Embryoscopy).
- كإجراء تكميلي مع تنظير البطن لتصحيح جيب الندبة القيصرية (Cesarean section niche).
- موانع استعمال تنظير الرحم الحمل.
- التهاب الحوض الحاد.
- النزيف الرحمي الشديد.
- سرطان عنق الرحم.
التحضيرات اللازمة قبل التنظير
يتم تأكيد التشخيص قبل التداخل بعدة طرق ومنها تصوير الرحم بالموجات فوق الصوتية باستخدام السونار المهبلي كما يمكن حقن سائل في تجويف الرحم (Hystro-sonography) لزيادة دقة التشخيص، والسونار ثلاثي الأبعاد والذي يعطي منظرًا مجسمًا وواضحًا لبطانة الرحم ، وأحيانًا يتم اجراء صورة الرنين المغناطيسي للحوض مع صبغة للحصول على تصوير أدق.
شرح الإجراء للسيدة قبل التدخل وأخذ الموافقة المستنيرة.
يمكن إجراء تنظير الرحم كإجراء خارجي في العيادات، وغالبًا ما يكون جيد التحمل، خاصة عند تطبيق التخدير الموضعي عبر الحقن حول عنق الرحم أو داخله. وإذا كان الإجراء مؤلمًا أو غير محتمل، يمكن استخدام قناع أكسيد النيتروز. كما يُعد إعطاء مضادات الالتهاب غير الستيرويدية عن طريق الفم مثل الإيبوبروفين (بروفين) قبل تنظير الرحم ممارسة روتينية وجيدة لتخفيف الألم.
يمكن إجراء تنظير الرحم تحت التخدير العام في غرفة العمليات، وذلك حسب خبرة الجرّاح، وتعاون المريضة، ودواعي الإجراء سواء كان تشخيصيًا أو علاجيًا.
الأدوات المستخدمة أثناء تنظير الرحم الجراحي
1. الأدوات الميكانيكية: وتشمل:
- المقصات: والتي تُستخدم لقطع الالتصاقات أو الزوائد اللحمية الصغيرة (البوليبات). وهي بطيئة نسبيًا وقد تسبب بعض النزف، لكنها لا تُحدث أذية حرارية.
- الملقط: يُستخدم لإزالة الزوائد اللحمية (البوليبات) والأجسام الغريبة مثل اللولب الرحمي.
2. الأدوات الكهربية الجراحية:
- حلقة الاستئصال (أحادية القطب، ثنائية القطب، أو ثنائية القطب الحقيقية): تقطع الأنسجة على شكل شرائح، وتُعد فعالة للآفات الكبيرة مثل البوليبات المخاطية، والأورام الليفية تحت المخاطية، واستئصال بطانة الرحم. إلا أنها تحمل مخاطر زيادة امتصاص السوائل والأذية الحرارية، وتتطلب خبرة جراحية.
- الكرة الدوارة (Roller ball): أداة كهربية تُستخدم لتخثير بطانة الرحم.
3. أنظمة التفتيت الميكانيكي (Morcellators):
تستخدم هذه الأنظمة شفرات دوارة أو أدوات قطع دوارة لقطع الأنسجة وشفطها في الوقت نفسه. تُستخدم في علاج البوليبات بطانة الرحم والأورام الليفية تحت المخاطية الصغيرة إلى المتوسطة. تمتاز بسرعة الإجراء، وقلة النزف، وتحسن الرؤية، وقلة امتصاص السوائل، مع غياب خطر الأذية الكهربائية.
4. تنظير الرحم بالليزر ويحتاج إلى مهارة وخبرة جراحية عالية.
المضاعفات
تُعد مضاعفات تنظير الرحم نادرة عند إجرائه بأيدٍ خبيرة. إلا أن خطر إحداث ثقب بالرحم يزداد في حالات تضيق عنق الرحم، مثلما يحدث لدى النساء اللواتي لم يسبق لهن الولادة أو النساء بعد سن اليأس، ما قد يؤدي إلى تكوّن مسار كاذب أثناء إدخال المنظار. وقد يترافق ثقب الرحم مع أذية المثانة البولية أو الأمعاء.
يجب على الجرّاح مراقبة كمية سائل التمديد المستخدمة بدقة عبر حساب كمية السائل الداخل والخارج لتجنب العجز المفرط في السوائل، والذي قد يؤدي إلى فرط الحمل بالسوائل في الجسم، ونقص صوديوم الدم، ووذمة رئوية، أو صمة غازية .
يُعد النزف من المضاعفات المحتملة الأخرى، وغالبًا ما يكون نتيجة الاستئصال المفرط أو أذية عضلة الرحم. وقد تتطلب هذه الحالات استخدام بالون ضاغط، وقد تتطور إلى الحاجة لفتح البطن في حالات نادرة.
تشمل المضاعفات المرتبطة بالطاقة الكهربية المخثرة الأذيات الحرارية أو الكهربائية والحروق.
كما قد تحدث التهابات مثل التهاب بطانة الرحم أو التهاب الحوض، ما قد يؤدي إلى التصاقات داخل الرحم ونقص الخصوبة، إضافةً إلى المضاعفات المرتبطة بالتخدير العام.
الخلاصة
أصبحت الجراحة التنظيرية الحديثة مثل تنظير الرحم ممارسة واسعة الانتشار عالميًا، لما توفره من وسائل تشخيصية وعلاجية مثالية مع الحد الأدنى من المضاعفات. فهي تقلل مدة الإقامة في المستشفى، وتخفف الألم، وتساعد على التعافي السريع. نحن مدينون بالكثير للتطورات الحديثة في تقنيات البصريات والذكاء الاصطناعي، التي جعلت الرؤية الكاملة للتجويف الرحمي حقيقة سريرية ملموسة.



