مقابلات

الدكتور محمد يزبك

نقلة نوعية في جراحات الدماغ والعمود الفقريتقنيات متقدمة تعيد تعريف الأمان الجراحي

الدكتور محمد يزبك، الأخصائي في جراحة الدماغ والعمود الفقري والديسك في مركز كليمنصو الطبيبيروت

شهدت جراحات الدماغ والأعصاب في السنوات الأخيرة تطورًا نوعيًا غيّر بشكل جذري المفهوم التقليدي للتدخل الجراحي، منتقلاً به نحو جراحات أكثر دقة وأقل توغلًا، مع تركيز أساسي على سلامة المريض والحفاظ على وظائفه العصبية. في هذا الإطار، التقت مجلةالمستشفى العربيالدكتور محمد يزبك، الأخصائي في جراحة الدماغ والعمود الفقري والديسك في مركز كليمنصو الطبي في بيروت، ليحدثنا عن احدث التقنيات المعتمدة اليوم ودورها في تحسين نتائج الجراحة وتسريع التعافي.

نود الحديث في البداية عن أبرز التطورات التي طرأت على جراحات الدماغ والأعصاب. إلى أي مدى ساهمت هذه التطورات في تغيير مفهوم الجراحة وتحويلها من تقليدية الى طفيفة التوغل بالنسبة لبعض الحالات المرضية؟

في البداية، لا بد من التوقف عند أبرز التطورات التي شهدها اختصاص جراحة الدماغ والأعصاب في السنوات الأخيرة، والتي أسهمت بشكل كبير في تغيير المفهوم التقليدي للجراحة، والانتقال بها في بعض الحالات من جراحات واسعة إلى تدخلات جراحية طفيفة وأكثر دقة وأمانًا.

من أبرز التقنيات المتقدمة المعتمدة اليوم في لبنان، وتحديدًا في مركز كليمنصو الطبي في بيروت، استخدام مجهر Kinevo 900، الذي يُعد نقلة نوعية على مستوى دقة العدسات وقوة التكبير. ويتميّز هذا المجهر بتقنية Blue 400  و400S، التي تعتمد على استخدام مادة 5-ALA  لتلوين الأورام، ما يتيح رؤية أوضح لأنسجة الورم.

تُستخدم هذه التقنية بشكل خاص في جراحات أورام الدماغ من نوع Gliomas، وهي أورام دقيقة يصعب في كثير من الأحيان تمييزها عن الخلايا السليمة. ورغم أن نسب الاستئصال كانت مرتفعة سابقًا، فإن اعتماد هذه التقنية يسمح بتحقيق استئصال أكثر دقة مع الحفاظ على الأنسجة السليمة قدر الإمكان.

عند دمج هذه التكنولوجيا مع تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي المتطور ثلاثي الأبعاد، إضافة إلى التطورات الحديثة في وسائل التشخيص الطبي، يصبح لدى الفريق الجراحي تصور شامل ودقيق لبنية الدماغ ومسار الأعصاب. هذا التكامل يتيح وضع خطة علاجية واضحة ومتكاملة قبل الدخول إلى غرفة العمليات، مع فهم معمّق للحالة المرضية من جميع جوانبها.

وتبرز أهمية هذه الدقة بشكل خاص في عمليات الدماغ أثناء اليقظة  (Awake Craniotomy)، وهي جراحات تُجرى في حالات حسّاسة يتداخل فيها الورم مع مراكز حيوية مثل النطق، وفهم الكلام، والوعي، والسمع، والبصر، والحركة. في هذه العمليات يكون المريض واعيًا خلال الجراحة، ما يسمح بمراقبة الوظائف العصبية بشكل مباشر.

مع توافر هذه التقنيات المتقدمة، وبوجود المريض في حالة وعي، يمكن إجراء هذه العمليات بدرجة عالية من الأمان والدقة، مع تقليل المخاطر والحفاظ على الوظائف العصبية الأساسية.

حدّثنا عن نظام التوجيه الجراحي ثلاثي الأبعاد (3D Navigation)؛ إلى أي مدى يشبه هذا النظام نظام الـ GPS في توجيه يد الجرّاح بعيداً عن مراكز الذاكرة والحركة؟

يُعد نظام التوجيه الجراحي ثلاثي الأبعاد (3D Navigation) من التقنيات المعتمدة منذ سنوات، إلا أن التطورات الحديثة التي طرأت عليه جعلته اليوم أكثر دقة وفاعلية، وأسهمت بشكل مباشر في الوصول إلى أعلى معايير السلامة والدقة الجراحية.

بإمكان هذا النظام أن يزوّد الجرّاح بإرشادات لحظية أثناء الجراحة. فهو يحدد موقع الأدوات الجراحية داخل الدماغ بدقة عالية جدًا، ما يسمح بمعرفة الموقع الدقيق داخل أنسجة الدماغ في كل لحظة.

كما توسّع استخدام هذا النظام ليشمل جراحات العمود الفقري، حيث يساعد في تحديد الموضع الأمثل لوضع البراغي بدقة عالية، والتأكد من سلامة مكان التثبيت قبل إجرائه. ويسهم ذلك بشكل كبير في تقليل خطر أذية الأعصاب، ورفع مستوى الأمان الجراحي بفضل الدقة الفائقة التي يوفرها هذا النظام.

في جراحاتالديسكوتضيق القناة الشوكية، ما هي أحدث التقنيات المتوفرة في CMC التي تسمح للمريض بمغادرة المستشفى في نفس اليوم أو اليوم التالي؟

نعتمد استخدام نظام الأنابيب المتداخلة (Minimally Invasive Spinal System) حيث يتم إدخال سلسلة من الأنابيب تدريجياً، واحد تلو الآخر، لعمل توسعة دقيقة داخل أنسجة العضلات. تتيح هذه التقنية الوصول للفقرات عبر أنبوب يتم من خلاله وضع المجهر الجراحي (Microscope) للرؤية بوضوح عالٍ. وتتميز هذه العملية بكونها غير جراحية بشكل كبيرتتم بأقل تدخل جراحي، حيث لا يتعدى طول الجرحسنتيمتر تقريباً

من المجهر المباشر. في هذه التقنية، يتم استخدام ماء المصل المالح لضمان وضوح الرؤية وتنظيف منطقة العمل، كما يتميز الجرح بكونه أصغر حجماً، حيث لا يتجاوز 1 سنتيمتر فقط.

ولا يقتصر التطور على ذلك، إذ بات من الممكن أيضًا تثبيت الفقرات ووضع البراغي من خلال شقوق صغيرة جدًا، حتى في العمليات الجراحية الكبيرة والمعقدة، ما يخفف من الأذى اللاحق بالأنسجة والعضلات المحيطة.

تنعكس هذه التقنيات المتقدمة بشكل مباشر على المريض، إذ تؤدي إلى نزيف أقل، وألم أخف بعد الجراحة، وتعافٍ أسرع، ما يسمح للمريض بمغادرة المستشفى في اليوم نفسه أو في اليوم التالي في كثير من الحالات، مع عودة أسرع إلى الحياة اليومية.

تقنية Intraoperative Neuromonitoring متطورة جداً في مركزكم؛ كيف تضمن هذه التقنية عدم إصابة المريض بأي شلل أو فقدان للحواس أثناء استئصال أورام النخاع الشوكي الحساسة؟

مع هذا التطور المتسارع في جراحات الدماغ والأعصاب، تم إدخال تقنيات متقدمة مثل التحفيز القشري وتحت القشري (Cortical & Subcortical Stimulation) إلى جانب المراقبة العصبية أثناء الجراحة (Intraoperative Neuro Monitoring) تتيح هذه التقنيات تقييم الوظائف العصبية الحساسة بشكل فوري خلال العملية الجراحية. فأثناء إجراء الجراحة، يصبح بالإمكان معرفة ما إذا كانت إحدى الوظائف الحيوية، كالحركة أو النطق أو الإحساس، قد تتأثر أو تتغير. كما يمكن تحفيز مناطق محددة من الدماغ للتعرّف بدقة على وظيفتها ومدى حساسيتها، والتأكد في الوقت نفسه من استمرار أداء هذه الوظيفة أو تأثرها. ويُجرى ذلك سواء كان المريض واعيًا بالكامل، أو تحت تخدير خفيف أو أعمق، مع الحفاظ على قدرة العضلات على الحركة، ما يسمح بمراقبة الاستجابات العصبية بدقة. بصورة عامة، شهدنا تطورًا كبيرًا مكّننا من الدخول في أدق تفاصيل كل منطقة من الدماغ، وذلك من خلال التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) الذي يحدد الموقع والوظيفة ومسارات الشبكات العصبية بدقة عالية. ويُستعان بالمجهر الجراحي (Microscope) بالميكروسكوب الجراحي المتقدم للمرور بسلاسة ونعومة بين الألياف العصبية، والوصول إلى الهدف الجراحي مع أقل ضرر ممكن.

وفي الحالات التي يكون فيها الورم متمركزًا ضمن منطقة شديدة الحساسية، يصبح التعاون المباشر مع المريض عنصرًا أساسيًا في نجاح الجراحة، إذ لا يمكن حماية بعض الوظائف الحيوية إلا عندما يكون المريض في حالة وعي كامل. في هذه الحالات، يشارك المريض خلال العملية في اختبارات وتحفيز مناطق دماغية معينة، ما يساعد الجراح على تجنب المناطق الخطرة وحماية الوظائف الأساسية. إلى جانب ذلك، تُستخدم تقنيات أخرى متطورة مثل الجراحة بالمنظار، التي تتيح الوصول إلى الدماغ عبر الأنف والوصول إلى قاعدة الجمجمة لإجراء عمليات دقيقة ومعقدة، بما في ذلك أورام الغدة النخامية وأورام قاع الجمجمة، وكل ذلك من خلال فتحات طبيعية في الوجه، من دون شقوق جراحية خارجية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى