كليات الطب

من نوبات الصرع الشديدة إلى التعافي: جراحة دقيقة تعيد براد إلى حياته الطبيعية

مستشفى جامعة شيكاغو

من نوبات الصرع الشديدة إلى التعافي: جراحة دقيقة تعيد براد إلى حياته الطبيعية

عندما تستعيد فال فيشر ذكريات معاناة طفلها مع الصرع، تبدو لها تلك الفترة وكأنها كابوس مرّ بها. فقد تعرّض براد لأول نوبة صرع عندما كان يبلغ من العمر 15 شهراً، حين وجدته والدته مستيقظاً في سريره، لكنه لم يكن يستجيب لها.

وعلقت فيشر بالقول: “كان ذلك أسوأ كابوس يمكن أن يواجهه أي شخص”.

شخّص طبيب أعصاب حالة براد آنذاك بنوع من الصرع يُعرف حالياً باسم الصرع المحدود ذاتياً مع التفريغات الصدغية المركزية  (SeLECTS)، وهو أحد الأنواع الأقل شدة من الصرع، وهو اضطراب في الدماغ يسبب نوبات متكررة.

ويستجيب معظم الأطفال المصابين بـSeLECTS  بشكل جيد للعلاج الدوائي، إلا أن حالة براد كانت مختلفة. فعندما بدأ يعاني من نوبات متكررة خلال مرحلة ما قبل المدرسة، لم تُحدث ستة أدوية مختلفة سوى تأثير محدود.

كما تسببت الآثار الجانبية للأدوية، إلى جانب حالته العصبية، في جعله يعيش في حالة من التشوش الذهني. وخلال فترة امتدت ثلاث سنوات، غاب عن المدرسة عشرات الأيام.

وأضافت فيشر: “حالته كانت تتدهور باستمرار. كان شديد العنف جسديًا، ومرهقًا وعاطفيًا. وكل ما كان يريده هو الجلوس على الأريكة ومشاهدة التلفاز”.

وفي يناير 2025، تعرّض براد لأشد نوبة له حتى ذلك الوقت، وهي نوبة توترية رمعية (Tonic-clonic seizure)، كانت تُعرف سابقًا باسم النوبة الكبرى (Grand mal seizure)، ما استدعى نقله إلى وحدة العناية المركزة للأطفال.

خضع براد لاحقًا لجراحة طفيفة التوغل باستخدام الاستئصال بالليزر، أدت إلى توقف نوبات الصرع

الحصول على رأي طبي ثانٍ في حالة صرع الطفل

بعد شعورهما بالإحباط إزاء الرعاية الطبية التي تلقاها ابنهما، التقى والدا براد بالدكتور دوغلاس نوردلي الثالث (Douglas Nordli III, MD)، اختصاصي طب أعصاب الأطفال في University of Chicago Medicine  والمتخصص في علاج الصرع. ويقدم مركز الصرع للأطفال في مستشفى Comer Children’s Hospital التابع لـUChicago Medicine، والمعترف به وطنيًا كمركز صرع من المستوى الرابع (Level 4)، أعلى مستويات التقييم والعلاج المتاحة للأطفال الذين يعانون من حالات الصرع المعقدة.

ويضم المركز فريقاً متكاملاً من اختصاصيي طب الأعصاب وجراحة الأعصاب، يعملون بالتعاون مع اختصاصيي علم النفس العصبي، وأطباء الأشعة العصبية، واختصاصيي دعم الأطفال، وخبراء من تخصصات ذات صلة.

وقدم نوردلي إلى عائلة فيشر رؤية تشخيصية جديدة، إذ أظهرت صور الدماغ الطبية في مستشفى Comer Children’s Hospital أن براد كان يعاني في الواقع من صرع الفص الصدغي الإنسي  (Mesial Temporal Lobe Epilepsy – MTLE). وفي هذه الحالة، يؤدي الضرر الذي أصاب الحُصينوهو المركز الرئيسي في الدماغ لمعالجة الذاكرةإلى اندفاعات غير منضبطة من النشاط الكهربائي، ما يسبِّب حدوث النوبات.

وقال نوردلي، الذي يشغل أيضاً منصب مدير وحدة مراقبة الصرع لدى الأطفال في المركز: “كانت حالة الصرع لدى براد صعبة الفهم، كما تم تشخيصها بشكل غير صحيح. ولم يكن يتلقى الرعاية من اختصاصي في علاج الصرع”.

الاستئصال بالليزر لاستهداف بؤرة النوبات

وعلى عكس  SeLECTS، غالبًا ما يكون صرع الفص الصدغي الإنسي (MTLE) مقاوماً للعلاج الدوائي.

ويُعالج هذا النوع من الصرع في كثير من الحالات باستخدام الاستئصال بالليزر، وهو إجراء جراحي طفيف التوغل يستخدم مسبارًا حرارياً لتدمير النسيج الدماغي غير الطبيعي، أو من خلال جراحة لاستئصال جزء من الفص الصدغي المتأثر.

كما يمكن أن يساعد النظام الغذائي الكيتوني، الغني بالدهون والمنخفض الكربوهيدرات، على تقليل النوبات لدى بعض الأطفال.

وفي إطار ما وصفه نوردلي بـ«عملية إنقاذ براد»، عمل مع عائلة فيشر للعثور على دواء فعال مضاد للنوبات يمكن أن يساعد ابنهما.

وفي نهاية المطاف، ساهم دواء بريفاراسيتام (Brivaracetam) في تقليل شدة نوبات براد، لكنه لم ينجح في إيقافها تمامًا، وهو الهدف الأساسي من علاج الصرع، ولا سيما لدى الأطفال.

وأوصى الدكتور بيتر وارنكه  (Peter Warnke, MD)، اختصاصي جراحة الأعصاب في UChicago Medicine  ومدير قسم جراحة الأعصاب التجسيمية والوظيفية (Stereotactic and Functional Neurosurgery)، بإجراء استئصال موجّه بالليزر لعلاج الجزء من الفص الصدغي لدى براد المسؤول عن حدوث النوبات.

واستخدم وارنكه تقنية التخطيط الكهربائي للدماغ عبر الأقطاب المزروعة عميقاً (stereo-EEG)، وهي تقنية طفيفة التوغل يتم خلالها وضع مجسات سلكية رفيعة في مناطق عميقة من الدماغ لتحديد الموقع الدقيق الذي تبدأ منه النوبات. بعد ذلك، أجرى استئصال النسيج المستهدف باستخدام الليزر.

ويُجرى هذا الإجراء تحت مراقبة مستمرة بواسطة التصوير بالرنين المغناطيسي  (MRI)، بما يضمن أعلى مستويات الدقة والسلامة.

وعن الإجراء قال وارنكه: “إن الوصول إلى مرحلة الخلو من النوبات هدف مهم بحد ذاته، لكنه قد يحقق لدى الأطفال تحديدًا فائدة إضافية تتمثل في عودة النمو العصبي إلى مساره الطبيعي. وغالبًا ما يؤدي إيقاف النوبات إلى تحسن ملحوظ في السلوك والتطور الذهني”.

استمتعت عائلة فيشر مؤخراً بإجازة عائلية في Walt Disney World

إنها حقًا معجزة

لاحظت فيشر الفرق في حالة براد منذ اللحظة التي استيقظ فيها بعد الجراحة.

وفي اليوم التالي، كان يقظاً ويتفاعل مع العالم من حوله، أثناء عودتهما بالسيارة إلى منزلهما في Grant Park  بولاية إلينوي.

وقالت فيشر: “كان الأمر أشبه بإزاحة حجاب كان يحجب عنه العالم”.

ومنذ العملية التي أُجريت في أكتوبر/تشرين الأول 2025، لم يتعرض براد لأي نوبات صرع، كما لم يعد بحاجة إلى خدمات الدعم المتخصصة في المدرسة.

ولا يزال براد، البالغ من العمر سبع سنوات، يتناول دواءه المضاد للنوبات بينما يتعافى دماغه. وأصبح أكثر نشاطاً وحيوية، وبدأ في بناء علاقات ذات معنى مع أصدقائه وأفراد عائلته، بمن فيهم شقيقه الأكبر.

وقد زار مؤخرًا Walt Disney World، كما بدأ دروس السباحة والكاراتيه، وهي أنشطة لم يكن من الممكن أن يمارسها قبل عام واحد فقط.

واستناداً إلى تجربتها، تعمل فيشر حالياً على إعداد دليل حول صرع الأطفال لمساعدة الأهالي على الدفاع عن حق أطفالهم في الحصول على الرعاية المناسبة. وتعرب فيشر عن امتنانها للدكتورين نوردلي ووارنكه، مشيرةً إلى أنها لم تتوقع أبدًا أن يكون تعافي براد بهذه السرعة وبهذا التحسن اللافت.

لمعرفة‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬المعلومات،‭  ‬يُرجى‭ ‬زيارة‭ ‬الموقع   ‬https‭://‬uchicagomedicine.org/global

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى