مستشفيات

رعاية ما بعد الإصابات  الحادة: آفاق جديدة من النمو في قطاع الرعاية الصحية

رعاية ما بعد الإصابات  الحادة: آفاق جديدة من النمو في قطاع الرعاية الصحية

لماذا تُعدّ رعاية ما بعد الإصابات الحادة محوراً أساسياً في تحوّل الرعاية الصحية في دول مجلس التعاون الخليجي؟ بقلم: وائل خليل عبد الله، الرئيس التنفيذي لمجموعة كامبريدج للصحة Cambridge Health Group

تتوسّع أنظمة الرعاية الصحية بوتيرة غير مسبوقة في مختلف أنحاء الخليج. تُفتتح مستشفيات جديدة، وتتزايد القدرة الاستيعابية للأسِرّة، وتتطور القدرات السريرية بشكل متسارع، مع استثمارات كبيرة من الحكومات ومقدمي الرعاية في القطاع الخاص لتقديم رعاية عالمية المستوى لسكان يتزايد عددهم ويتقدّمون في العمر. مع ذلك، وبينما يستمر هذا التوسع السريع، لا تزال بعض الأسئلة الجوهرية تُطرح متأخرة: ماذا يحصل بعد انتهاء العلاج الحاد؟

بعد جراحة معقّدة، من يتولى الإشراف على إعادة تأهيل المريض وتعافيه والإدارة الشاملة لحالته؟ من يساعد مريض السكتة الدماغية لاستعادة الحركة والاستقلالية؟ من يقدّم الرعاية للمرضى الذين يعانون من حالات مزمنة متعددة، سواء أكانوا أطفالاً أم كبار سن؟ الجواب هو رعاية ما بعد الإصابات الحادة، وهي مجال لا يزال بحاجة إلى مزيد من التطوير في مختلف أنحاء منطقة الخليج، رغم دورها المحوري في تحسين نتائج المرضى وضمان استدامة أنظمة الرعاية الصحية على المدى الطويل.

ضرورة حتمية لأداء النظام الصحي

يُعترف برعاية ما بعد الإصابات الحادة بشكل متزايد كمرحلة مستقلة وأساسية ضمن مسار الرعاية، إذ تشكّل حلقة وصل بين العلاج الحاد في المستشفى، وعودة المريض إلى المنزل أو انتقاله إلى رعاية طويلة الأمد. وعندما تكون إعادة التأهيل منظّمة وتخضع لإدارة سريرية واضحة، فإنها تقلّل من فترات الإقامة غير الضرورية في المستشفيات، وتحسّن النتائج الوظيفية، وتخفّف الضغط عن الطاقة الاستيعابية للرعاية الحادة.

هذا ليس شأناً هامشياً؛ فمدة الإقامة في المستشفى، ومعدلات إعادة الإدخال، ونتائج المرضى تتأثر مباشرة بتوافر رعاية ما بعد الإصابات الحادة وجودتها. ومن دون بنية تحتية قوية لهذه المرحلة، تواجه الأنظمة الصحية تحديات هيكلية لا يمكن حلّها بالاعتماد على توسيع أسِرّة الرعاية الحادة فقط. أما من الناحية الاقتصادية، فالصورة لا تقل وضوحاً. فالمرضى الذين يشغلون أسِرّة رعاية حادة لفترة أطول مما تقتضيه الحاجة السريرية يمثلون هدراً كبيراً في الموارد. كما تؤدي عمليات إعادة الإدخال القابلة للتجنّب إلى مضاعفة الأعباء التشغيلية والمالية على مقدّمي الخدمات والجهات الضامنة معاً. في المقابل، توفّر رعاية ما بعد الإصابات الحادة الفعّالة قيمة ملموسة: تقليص فترات الإقامة الحادة، وتحسين التعافي الوظيفي، وخفض استخدام الخدمات الصحية اللاحقة.

استمرارية الرعاية بالتكامل والتخطيط

إن أكثر النماذج فعالية لرعاية ما بعد الإصابات الحادة، ليست خدمات منفصلة، بل مسارات متكاملة تربط المستشفى بالمجتمع. وهذا يعني انتقالات منسّقة من المستشفيات الحادة إلى إعادة التأهيل الداخلية، ثم إعادة التأهيل للمرضى الخارجيين، والرعاية المنزلية، مع الحفاظ على الإشراف السريري طوال الوقت. وبذلك تتأمن في نموذج واحد، بيئات متعددة، وانتقال سلس في الرعاية. في مجموعة كامبريدج للصحة، تُعدّ هذه الاستمرارية أساس نهجنا. عبر منشآتنا في دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، ندير إعادة تأهيل المرضى المنومين، والرعاية طويلة الأمد، وخدمات العيادات الخارجية، والرعاية الصحية المنزلية كمنصة متكاملة. وينتقل المرضى بين هذه البيئات وفقًا للاحتياج السريري، لا وفقًا للملاءمة الإدارية، مع فِرَق متعددة التخصصات تنسّق الرعاية في كل مرحلة.

وتكتسب هذه المنهجية أهميتها لأن التعافي نادراً ما يتم بمجرّد الخروج من المستشفى. فقد يحتاج المريض المنوم داخلياً بعد الخروج من إعادة التأهيل إلى العلاج المستمر في العيادات الخارجية، وقد يتطلب مريض الرعاية الصحية المنزلية إعادة إدخال مؤقتة لتلقي تدخّل مكثف. لكن الأنظمة المبنية على آليات جامدة لا تستطيع استيعاب هذا التعقيد، بينما الأنظمة المصمّمة حول المريض تستطيع ذلك.

الكفاءة قبل السعة

مع نضوج أنظمة الرعاية الصحية في دول مجلس التعاون، أصبحت فئة مرضى ما بعد الإصابات الحادة أكثر تعقيداً. مرضى يعتمدون على أجهزة التنفس ويحتاجون إلى الفطام التدريجي، حالات عصبية تتطلب إعادة تأهيل تخصصية، ومرضى يعانون من أمراض مصاحبة متعددة، ويحتاجون إلى إدارة منسّقة للأمراض المزمنة. هذه ليست رعاية يمكن تقديمها في أي مكان أو من أي مقدِّم خدمة.

إن التمييز بين السعة والكفاءة أمر بالغ الأهمية. فرفع عدد الأسِرّة ضرورة، لكنه غير كافٍ. ما يهم هو ما إذا كانت هذه الأسِرّة مدعومة بالخبرات السريرية، والمعدات، والبروتوكولات اللازمة للتعامل مع حالات عالية الخطورة ومرتفعة الاحتياج. وتوفّر معايير الاعتماد مثل منظمة الكارف (CARF) تحققاً خارجياً من هذه الكفاءة، وتحمل مجموعة كامبريدج للصحة أكبر عدد من اعتمادات منظمة الكارف (CARF) في كل من السعودية والإمارات.

وعالمياً، لم تعد البنية التحتية العائق الرئيسي أمام التوسع في رعاية ما بعد الإصابات الحادة، بل توافر الكوادر الماهرة من ممرضين ومعالجين، وهو تحدٍ تشترك فيه دول الخليج مع العديد من الأنظمة الصحية المتقدمة. ومع ذلك، وعند النظر إلى النتائج ومعايير السلامة وكفاءة التكلفة مجتمعة، تبرز المنطقة كوجهة تنافسية دولياً، لا سيما عند النظر إليها من منظور الرعاية القائمة على القيمة.

قياس ما هو مهم

تتطلب رعاية ما بعد الإصابات الحادة قياساً صارماً للنتائج. التحسّن الوظيفي، والخروج الناجح إلى المنزل، والسيطرة على المضاعفات الحادة، وغيرها من المؤشرات. هذه مقاييس تحدد الجودة ويجب تتبعها بشكل منهجي. وتُسهم شفافية التقارير في بناء الثقة مع الجهات المُحيلة، والجهات الدافعة، والمرضى على حد سواء. وهذا الالتزام بالقياس ليس إجراءً إدارياً فحسب، بل محرّكاً للتحسين السريري. فعندما ترى الفرق الطبية نتائجها مقارنة بالمؤشرات المرجعية، وعندما يُحدَّد التباين ويُعالج، وعندما يُقاس النجاح بحالة المريض، ترتقي جودة الرعاية.

فرصة إقليمية

يسافر الناس للحصول على رعاية متخصصة، وكان ذلك تاريخياً يعني التوجّه إلى بلدان تتمتع بمنظومات أكثر رسوخاً لرعاية ما بعد الإصابات الحادة وإعادة التأهيل. أمّا اليوم فتتطور بسرعة منظومة ما بعد الإصابات الحادة في دول مجلس التعاون الخليجي. ومع الاستثمارات الموجّهة والوضوح المتزايد للأطر التنظيمية، أصبحت المنطقة قادرة على الاحتفاظ بالمرضى محلياً ممن كانوا يلجؤون سابقاً للعلاج في الخارج. ويمثل ذلك إنجازاً صحياً وفرصة اقتصادية في آن واحد: سياحة طبية معكوسة، تُقدَّم فيها الرعاية محلياً بتكلفة أقل ونتائج تضاهي أو تتفوق على البدائل الدولية. وبالنسبة للمرضى، يعني ذلك التعافي بالقرب من الأسرة والمجتمع، وبالنسبة للأنظمة الصحية، الاحتفاظ بالقيمة داخل الاقتصاد الإقليمي.

بناء المرحلة القادمة

منذ عام 2012، نمت مجموعة كامبريدج للصحة من منشأة إعادة تأهيل واحدة في أبوظبي لتصبح أكبر مزوّد لرعاية ما بعد الإصابات الحادة في دول مجلس التعاون، بأكثر من 715 سرير عبر ست منشآت في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. لقد استكملنا البنية التحتية، والكفاءة السريرية، ومسارات الرعاية المتكاملة اللازمة لتقديم هذه الرعاية على نطاق واسع. ومع ذلك، فالبنية التحتية وحدها لا تكفي. ما يهم هو ما إذا كانت هذه البنية تترجم بنتائج أفضل للمرضى: تعافٍ وظيفي، عودة ناجحة إلى المنزل، واستعادة جودة الحياة. هذا هو المعيار الذي نُحاسِب أنفسنا عليه، وهو المعيار الذي تطالب به أنظمة الرعاية الصحية في المنطقة بشكل متزايد. لقد بنت دول مجلس التعاون بنية تحتية متميزة للرعاية الحادة. وتتطلب المرحلة التالية من نضج الأنظمة الصحية اهتماماً مكافئاً لما يأتي بعدها. وفي مجموعة كامبريدج للصحة ، نلتزم بضمان أن تأخذ رعاية ما بعد الإصابات الحادة مكانها المستحق في صميم هذا التحوّل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى