كيف تعيد HIKMA رسم مستقبل العلم
كيف تعيد HIKMA رسم مستقبل العلم
أول منصة مؤتمرات أكاديمية مُدارة بالكامل بالذكاء الاصطناعي

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد أداة مساعدة للباحثين أو وسيطًا لتسريع الكتابة والتحليل؛ بل بات، ولأول مرة، منسّقًا بشكل كامل لدورة البحث العلمي. وقد تجسّد هذا التحول الجذري بوضوح في مبادرة HIKMA 2025 (المعرفة المُسْتَوحاة من الإنسان عبر وكلاء آليين) التي تقودها جامعة حمد بن خليفة، حيث استضافت حدثًا غير مسبوق في تاريخ الأكاديميا: أول مؤتمر علمي في العالم يجري فيه توليد الأبحاث وتحكيمها ومراجعتها والرد على الملاحظات وتقديمها بالكامل بواسطة أنظمة ذكاء اصطناعي ذاتية العمل.
ريادة وطنية بنطاق عالمي
لم يكن هذا المؤتمر، المعروف باسم مؤتمر HIKMA، استعراضًا تقنيًا أو تجربة رمزية، بل تجربة مكتملة الأركان أعادت تعريف معنى “المؤتمر العلمي”. لقد أُنتجت كل ورقة بحثية، وكل تقرير تحكيم، وكل رد علمي، بل وحتى العروض التقديمية، ضمن إطار متعدّد الوكلاء، مع تسجيل شامل وشفاف لسجل المصدرية المعرفية (Provenance)، الذي يوضح بدقة كيف نشأت كل فكرة، وكيف تطورت، ومن أي نماذج وبيانات استُلهمت.
تكمن أهمية هذا الحدث في أنه نقل الذكاء الاصطناعي من دور “المساعد الذكي” إلى دور “المنظِّم العلمي”؛ فبدلًا من أن يقتصر على تلخيص الدراسات أو اقتراح مراجع، أصبح الذكاء الاصطناعي يدير دورة البحث كاملة: من صياغة الفرضيات، إلى كتابة الأوراق، مرورًا بالتحكيم العلمي والمراجعات المتبادلة، وصولًا إلى العرض أمام الجمهور. يفتح هذا التحوّل الباب أمام أسئلة جوهرية طالما ارتبطت بالبحث العلمي: من هو المؤلف؟ من يتحمل المسؤولية العلمية؟ وكيف نعرّف الإبداع عندما يكون نتاج تفاعل منظومات ذكية متعددة؟
أجابت HIKMA عن هذه التساؤلات ليس بالشعارات، بل بالتصميم المؤسسي؛ فقد بُنيت المنصة على إطار حوكمة واضح، يضمن الشفافية وقابلية التتبّع، ويضع الأساس لمساءلة علمية تتناسب مع عصر الذكاء الاصطناعي. وقد جرى توثيق هذا الإطار في ورقة بحثية محكّمة بعنوان: HIKMA: Human-Inspired Knowledge by Machine Agents through a Multi-Agent Framework for Semi-Autonomous Scientific Conferences، وهي متاحة عبر arXiv، التي تقدم وصفًا تقنيًا وفلسفيًا متكاملًا لكيفية إدارة مؤتمرات علمية شبه ذاتية. ولم تقتصر المبادرة على المؤتمر فحسب. فقد أطلقت HIKMA أيضًا HikmaXiv، وهو أول مستودع رقمي عالمي مخصص للأبحاث العلمية المُنتَجة بالذكاء الاصطناعي. يهدف هذا المستودع إلى الفصل الواضح بين الإنتاج العلمي البشري والإنتاج الآلي، مع توفير بنية مرجعية مستقلة قيد التطوير تحت مسمى AIDOI، لتكون بمثابة “هوية رقمية” لأي مخرج معرفي تولده الأنظمة الذكية، سواء كان ورقة بحثية أو قاعدة بيانات أو نموذجًا تحليليًا.
وقد حظيت منصة HIKMA باهتمام واسع على المستويين الأكاديمي والمهني، حيث عُرضت في سلسلة من الفعاليات الدولية البارزة، من بينها مؤتمرات أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والصحة الرقمية، والتصوير الشعاعي للأطفال، ومعارض الرعاية الصحية، وقمم التعليم والابتكار. لقد دلّ هذا الحضور المتنوع على قدرة المنصة على مخاطبة قطاعات متعددة، من الباحثين وصناع السياسات، إلى الأطباء وخبراء الأخلاقيات وقادة التعليم. ولعلّ ما يعزز من رمزية هذا الإنجاز هو التفاعل الإعلامي المصاحب له؛ إذ نالت المنصة تغطية من وسائل إعلام إقليمية، من بينها قناة العربي، إضافة إلى تداول واسع على منصات التواصل الاجتماعي خلال المؤتمرات المتخصصة. كما جرى قبول مشروع HIKMA رسميًا للنظر فيه من قبل موسوعة غينيس للأرقام القياسية ضمن فئة “أكبر منصة أبحاث علمية قائمة على الذكاء الاصطناعي”، في خطوة تشير إلى الاعتراف الدولي بحجم المبادرة وطموحها.
في المحصلة، لا تقدّم HIKMA إجابة نهائية عن مستقبل البحث العلمي بقدر ما تفتح أفقًا جديدًا للمناقشة والعمل؛ فهي لا تدّعي استبدال الإنسان، بل إعادة صياغة العلاقة بين العقل البشري والعقل الآلي، بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا منهجيًا في إنتاج المعرفة، ضمن أطر شفافة ومسؤولة. وبينما يتسارع العالم نحو أتمتة متزايدة في شتى المجالات، يبدو أن HIKMA قد وضعت حجر الأساس لسؤال القرن: كيف نُنتج العلم في عصر الآلات المفكّرة؟



