حكايات أمل في أروقة المستشفيات… كيف يمضي رمضان خلف الأبواب البيضاء؟
حكايات أمل في أروقة المستشفيات
كيف يمضي رمضان خلف الأبواب البيضاء؟
بعد أذان المغرب، تلتف العائلات حول موائد الإفطار الرمضاني. لكن خلف الأبواب البيضاء للمستشفيات، هناك موائد أخرى صامتة، وأمنيات أبعد من إفطار، تصل إلى رجاء الشفاء من آلام لا تحتمل الإنتظار. هناك أطفال يعانون من ارتفاع الحرارة، ومرضى ينتظرون تأمين العلاج وآمال الشفاء. وهناك يعطى عمر جديد لمريض كان في خطر، ويتوقف قلب مريض فينتقل من المستشفى إلى الحياة الأخرى وليس إلى المنزل الدافئ. هذه العائلة المؤلّفة من أطباء وممرضين وممرضات ومن مرضى وأهل لا يفارقونهم، تلتئم في رمضان على غير ما تلتئم به في سائر أيام العام… في رمضان، لا يتوقف الألم صحيح، لكنه يرتدي ثوب الرجاء.
على تلك الأسرّة المتأرجحة بين الثقة بمهارة الطب والإتكال على نعمة الله، مرضى يصرّون على الصيام رغم المعاناة والوجع. ورغم أن وضعهم الصحي لا يسمح لهم أحيانًا بتأدية فريضة الصوم، غير أن الإيمان لديهم يتغلب على حالة المرض وأوجاعه. وهناك مرضى لا تكون لهم القدرة على الصيام فيمتنعون عنه بعد توصية الطبيب، ويعيشون صراعاً داخلياً. فكبار السن مثلاً يكتفون بـ”نية المشاركة”. لكن الجميع يتشارك بحلول الشهر الفضيل وبفرح انتظار العيد والشفاء معًا.
عائلة الشهر الفضيل… صوم ومرضى وصلاة
في تلك الغرف التي غالبًا ما تحتضن القلق والألم والأمل، يجد رمضان مكانًا ليلقي فيه بُعدَه الروحي فيصير شريكًا مع الدواء في التخفيف من الألم. هنا تجد من يرفع الصلات وهناك من يقرأ القرآن ومن يتابع بث صلاة التراويح عبر الهواتف.
وفي جولة على عدد من المستشفيات التقت مجلة “المستشفى العربي” أطباء وممرضات ومرضى ومرافقين لهم، استطلعت حالاتهم وسألت عن كيف يمر عليهم رمضان؟ فقال بعض المرضى أنه يحاول قدر الإمكان أداء فريضته والصوم والصلاة ما أتاحت له حالته الصحية ذلك. ورأى آخرون أن أصعب ما في الأمر ليس المرض بذاته… بل أن تفطر بعيداً عن أولادك وأهلك. وهناك من رأى فيه فرصة للدعاء والرجاء من الله الشفاء ليعيش الشهر بأمان وفرح بعيدًا عن غرف القلق وأسرّة الألم. لكن الكل أجمع على أن لرمضان وقعه المميّز سواء أكان ذلك على المرضى أم على الأصحاء.
الأطباء كانت لهم بدورهم آراء تراوحت بين حلاوة الفطور مع المرضى ولمس شعور السعادة في عيونهم على رغم ما يتركه الألم من ندوب في النفس قبل الجسد، ومرارة عيش حالات صعبة كان أقل ما يتمنونه أن يكون تدخُّل يد الله إلى جانب يدهم متمّمًا للشفاء وعودة المرضى من رحلات العلاج هنا إلى رحاب بيوتهم وعائلاتهم وحياتهم اليومية المعتادة.
فأفراد الطاقم الطبي يوصفون بأنهم جنود رمضان المجهولون. هناك أطباء مناوبون لا يسمعون الأذان إلا عبر هواتفهم، كما أن هناك قصصًا لأطباء يؤجلون الإفطار لإنقاذ مريض. وممرضات يفطرن على عجل بين جرس وآخر. وعاملات نظافة يزيّنَّ الأقسام بفوانيس صغيرة… وبهذا بالضبط يمكننا أن نلمس البُعدين الأخلاقي والإنساني لمهنتي الطب والتمريض.
أما الأهل والمرافقون فأبرز ما يعبّرون عنه هو أنهم لا يشعرون بالغربة عن عائلاتهم وسط اهتمام الإدارة والتفاف الجميع حول بعضهم البعض مما شكّل فعلاً عائلة يجمعها الأمل كما يجمعها الألم. لكن لا بد من ملاحظة أم تفطر على درج المستشف. وشقيقة تمضي نهار صيامها على كرسي الإنتظار المحاط بالحيرة والصبر. وأب يقضي السحور في السيارة. فهؤلاء أكثر من جنود مجهولين، إنهم أبطال صامتون في حكاية رمضان.
وبجانبهم تلاحظ وجبة الإفطار البسيطة تجاور جهاز مراقبة، والتمر والماء يحاذي أكياس المصل. ومتطوعون يرتدون أزياء شخصيات كرتونية لتخفيف رهبة المكان. وطفل يسأل: “هل سيأتي العيد وأنا هنا؟”
الفرح الروحي جزء من العلاج
يُثبِت الطب في الكثير من أبحاثه أنّ الفرح النفسي ليس شعوراً عابراً فقط، بل له تأثيرات بيولوجية مثبتة تساعد فعلياً في مسار التعافي. والمعلوم أنّ الطب الحديث لم يعد يفصل بين الجسد والنفس، بل يتحدث عن “الطب التكاملي” الجامع بين الروح والجسد وحيث العاطفة والفرح يصيران جزءًا من العلاج.
فعند الشعور بالفرح يفرز الدماغ الدوبامين والسيروتونين اللذين يحسّنان المزاج ويخففان الألم. وتزداد الإندورفينات وهي مسكنات طبيعية يفرزها الجسم. فينخفض هرمون التوتر الكورتيزول ما يخفف الالتهاب ويحسِّن أداء الجهاز المناعي. وهكذا يظهر أن الفرح الداخلي الذي يشيعه الشهر الفضيل يخلق بيئة نفسية أكثر ملاءمة للشفاء من أمراض الجسد.
وبالسؤال عن كيف يؤثر الفرح على المناعة؟ تجيب الدراسات في علم النفس الصحي بأن الأشخاص المتفائلين يملكون استجابة مناعية أفضل. فالضحك يحفّز نشاط الخلايا القاتلة الطبيعية (NK cells) التي تهاجم الفيروسات والخلايا السرطانية. والتوتر المزمن يبطئ التئام الجروح، بينما الاستقرار النفسي يسرّعه. لهذا نجد في بعض المستشفيات برامج: العلاج بالضحك، والموسيقى العلاجية، والدعم النفسي والروحي للمريض.
وتشير الدراسات أيضًا إلى أنّ الفرح يقلّل الإحساس بالألم، إذ عندما يكون المريض في حالة معنوية جيدة يتحمّل الألم بشكل أفضل. ويحتاج أحياناً إلى جرعات أقل من المسكنات، ويتجاوب أسرع مع العلاج. حتى مجرد زيارة عائلية دافئة قد تغيّر مؤشرات حيوية مثل ضغط الدم ومعدل النبض.
كما تشير الدراسات إلى أنّ الأمل يرفع الالتزام بالعلاج، وهذا ليس تفصيلاً أبدًا إذ إنّ العديد من العلاجات تكمن فعاليتها بالالتزام بتناولها تمامًا مثل تأثير مكوّناتها. فالمريض المحبط، قد يهمل الدواء، ويرفض الجلسات، ويفقد الإرادة. أما المريض الذي يشعر بالأمل، وهذا ما يحصل في رمضان، فيلتزم بالخطة العلاجية، ويتعاون مع الفريق الطبي، ويبذل جهداً أثناء جلسات إعادة التأهيل. وهكذا يتأكد أنّ الفرح هنا ليس رفاهية، بل عنصرًا علاجيًّا.
ولا يُخفى في مجتمعاتنا عبر العالم العربي، أنّ الإيمان والطقوس الدينية تعطي معنى مختلفًا للألم، كما تعطي إحساساً بالطمأنينة، وشعوراً بأن المريض ليس وحده. فالطمأنينة الروحية تخفف القلق، والقلق إذا انخفض تحسّنت المؤشرات الجسدية. ويؤكد أطباء التقاهم فريق “المستشفى العربي” أنّ الفرح، لا سيما الفرح الناتج عن الإيمان الديني، لا يعالج المرض وحده، لكنه يهيئ الجسد ليستجيب للعلاج، ويعزز المناعة، ويخفف الألم، ويطيل القدرة على الصمود.
وإن كان الدواء يعالج الجسد، فإن الفرح يعالج القدرة على الاحتمال. وبين الحقنتين والجرعات، قد تكون ابتسامة صادقة جزءاً من الخطة العلاجية.” وهكذا يبدو صادقًا وجميلاً أنه خلف تلك الأبواب البيضاء، لا يكون رمضان أقل تقوى بل أكثر فعلاً. هناك، يصبح التمر صلاة، وجرعة الدواء دعاء، وابتسامة ممرضة صدقة جارية. قد تغيب موائد العائلة، لكن لا يغيب الرجاء. ففي أروقة وغرف تلك المستشفيات الحاضنة لكل أنواع الألم، يولد الأمل كل مساء مع صدحة كل آذان.



