هكذا تصرّفت المستشفيات الخليجية فظهرت أهمّية الإستثمار
حيال الأزمة الأخيرة وما خلّفته من ضغوط
هكذا تصرّفت المستشفيات الخليجية فظهرت أهمّية الإستثمار

عندما نتحدّث عن الإستثمار في القطاع الصحّي، فهذا لا يعني طبعا مجرّد الإنفاق والتجهيز والتدريب، بل بلوغ مراتب عالية من الجهوزية الطبية والتكنولوجية والإدارية تجعل من المرفق الصحّي جاهزًا للقيام بدوره بكل كفاءة في أي ظرف ومهما علت التحدّيات. هذا بالضبط ما أظهرته المستشفيات الخليجية ووزارات الصحة فيها، مبدية جهوزية وكفاءة عاليتين في التعامل سواء مع الحالات الناتجة عن الإصابات بسبب القصف الذي تعرّضت له هذه البلدان، أو مع ظروف الحرب بذاتها وما تفرضه من استثناءات في التعامل وجاهزية لتلبية المتطلبات الطارئة، أو سرعة في الحركة تؤمّن تحقيق الهدف المرتجى. هذه الكفاءة العالية في الأداء الصحي الخليجي لم تكن وليدة اللحظة أو الظرف، إنما نتيجة سنوات من الجهد والتخطيط والسعي والإستثمار الناجح حيث يكون المردود أعلى من المجهود.
يشدّد المتابعون لمجريات تطورات القطاعات الصحية في البلدان الخليجية على أنّ نجاح مستشفياتها في التعامل مع تداعيات الحرب الأخيرة لم يكن صدفة، بل نتيجة نموذج متكامل يجمع بين الجاهزية الطبية، والإدارة المرنة، والدعم السياسي والمالي. وأنه يمكن فهم هذا النجاح عبر عدة محاور أساسية، منها:
الجاهزية المسبقة وإدارة الطوارئ
استثمرت دول الخليج خلال العقدين الأخيرين في بنية تحتية صحية متقدمة جدًا عمادها مستشفيات ذكية وعناية فائقة ونظم معلومات متكاملة. كما أن ذلك لم يغفل أهمّية وجود خطط وطنية لإدارة الكوارث ما سمح بالتحرك السريع والناجح عندما بدأت الحرب. أيضًا جاءت مسألة تدريب الكوادر على الاستجابة الجماعية لتجعل التعامل مع تدفق المرضى أو الإصابات أكثر كفاءة. وكانت النتيجة أنّ الاستجابة لم تبدأ من الصفر بل من نظام جاهز ومجرَّب.
الدبلوماسية الطبية والإجلاء العلاجي
اعتمدت دول مثل الإمارات وقطر والسعودية على نقل الجرحى من مواقع الإستهداف إلى المستشفيات بطرق سريعة وآمنة، إذ تمّ نقل عشرات الجرحى والمرضى بكفاءة عالية. هذا النموذج أثبت نجاحه في معالجة الإصابات والتعامل معها بعناية متناهية من دون أي تأثير أو تأخير في استقبال المرضى من كل الحالات. وهذا يعكس قدرة على العمل خارج النظام التقليدي للمستشفيات.
التمويل السخي وسرعة القرار
تُعد دول الخليج من أكبر المانحين عالميًا في المجال الإنساني. فهي لطالما عملت على توفر التمويل الفوري، ما يعني عدم انتظار إجراءات بيروقراطية طويلة، وشراء معدات وأدوية بسرعة، واستقدام كفاءات دولية عند الحاجة. والمال هنا ليس فقط دعمًا، بل أداة تسريع للإنقاذ.
يضاف إلى ذلك، التكامل بين الصحة والتكنولوجيا عبر استخدام الذكاء الاصطناعي لإدارة الأسرة والتشخيص السريع. واعتماد أنظمة رقمية لتتبع الجرحى وتحسين توزيع الموارد. وكذلك الربط بين المستشفيات ضمن شبكة واحدة. وهذا ما جعل الأداء أكثر دقة وأقل عشوائية.
أهميّة الشراكات الدولية
ركزت المستشفيات الخليجية خلال السنوات الماضية على الشراكات الدولية ما منحها الكثير من الدعم لناحية الخبرات والمعدات والوصول إلى أحدث ما توصل إلية ميدان الطب، وكذلك من نشاط المنظمات الدولية التي تُعنى بالصحة. فكان هناك تعاون منتج مع منظمة الصحة العالمية ومع منظمات إغاثية دولية عديدة. وهذا التكامل سمح بتبادل الخبرات وتوحيد البروتوكولات. وقد ظهرت نتائجه جلية خلال الحرب الأخيرة.
وفي هذا السياق لا بد من تسجيل نجاح المستشفيات الخليجية والذي يعود إلى معادلة واضحة تقوم على وجود بنية قوية وقرار سريع وتمويل كبير ومرونة ميدانية، يضاف إليها تعاون دولي مثمر. وفي المقابل، ما حدث في مناطق الحرب أظهر أن غياب هذه العناصر يؤدي إلى انهيار شبه كامل للقطاع الصحي تحت الضغط، فيما أثبت التمتّع بها كفاءة عالية حيال التعامل مع الأزمات.
أمثلة لا تقبل الشك
لولا أخذنا القطاعات الصحية والمراكز الطبية في كل من المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات لتبيّن ذلك بوضوح. فلدى القطاع الصحي السعودي، فُعِّلت خطط الطوارئ الوطنية ورُفِعت جاهزية المستشفيات لاستقبال حالات معقّدة من خارج مناطق النزاع. فقد شارك الهلال الأحمر السعودي في عمليات الإغاثة والإسعاف الميداني، إضافة إلى التنسيق لنقل الجرحى. واستخدمت السعودية في مجال الإجلاء الطبي الجوي، طائرات مجهّزة كوحدات عناية فائقة لنقل مصابين من مناطق الأزمات إلى المستشفيات. كما استخدمت مراكز متخصصة لاستقبال حالات حرجة (جراحات معقدة) تحتاج خبرات فائقة.
أما قطر فامتازت بدبلوماسية طبية وشبكة رعاية عالية الكفاءة. ومن الأمثلة مؤسسة حمد الطبية التي تمثّل العمود الفقري للنظام الصحي القطري، والتي استقبلت مرضى ومصابين من مناطق النزاع ووفّرت رعاية متقدمة وسريعة. ولعبت مراكز عديدة دورًا مهمًا خصوصًا في علاج الأطفال والنساء. وتمتّعت قطر بشبكة رقمية موحدة سمحت بتوزيع المرضى بكفاءة بين المستشفيات دون ازدحام، فتميّزت بسرعة التنسيق نظرًا لصغر الحجم والتركيز على الجودة العالية.
من جهتها حقّقت الإمارات ريادة في العمل الإنساني والمستشفيات العالية الجهوزية. وقد تجلّى ذلك في سرعة وكفاءة نقل المصابين أثناء عمليات الإغاثة الطبية، وفي جاهزية المستشفيات وكفاءة الطواقم الطبية، وكذلك الجاهزية اللوجستية، حيث تمّ استخدام طائرات وممرات إنسانية لتأمين نقل سريع وآمن. وتميّزت الإمارات بسرعة الإستجابة وبالبعد الإنساني العالمي.
طبعًا هذه الجاهزية والريادة والكفاءة الطبية لم تظهر فقط في الأحداث الأخيرة بل كانت جليّة الوضوح عالمية المستوى في العديد من المحطات السابقة، منها حرب غزة مثلاً حيث قادت المستشفيات ووزارات الصحّة الخليجية حملة إغاثة نادرة المثيل ونجحت حيث كانت التحديات كبيرة والصعوبات كثيرة. فهذه الدول لم تكتفِ بدور “المتلقي” للحالات، بل تحولت إلى فاعل إقليمي في إدارة الأزمات الصحية، وذلك عبر نقل المرضى، وبناء مستشفيات خارج الحدود، وتقديم رعاية فائقة التخصص. وهذا ما جعلها عنصر توازن في ظل انهيار الأنظمة الصحية داخل مناطق النزاع السابقة.
سرّ النجاح وعامل التفوّق
كل هذه التجارب والنجاحات في الأزمات، سواء في الإعتداءات الأخيرة على دول الخليج، أو في حرب غزّة، أو قبلهما في جائحة كوفيد– 19، أثبتت نجاح القطاعات الصحية والمستشفيات الخليجية في مواجهة الأزمات. كما أكّدت أنّ ذلك ليس مجرد نتيجة لوفرة مالية، بل هو ثمرة استثمار ثلاثي متكامل: مالي وبشري وتكنولوجي. فهذه العناصر بات ثابتًا أنها لا تعمل بشكل منفصل، بل تُشكّل معًا منظومة صمود تجعل القطاع الصحي قادرًا على امتصاص الصدمات خصوصًا في ظروف الحرب.
فكيف نجحت القطاعات الصحيّة والمؤسسات الطبية الخليجية حيث عجز سواها في الكثير من الأحيان في تحقيق المستوى نفسه من الأداء؟
شكّل الاستثمار المالي العمود الفقري للجاهزية الطبية لمستشفيات الخليج. فالإنفاق الصحي المرتفع في دول مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر كان حاسمًا وسمح ببناء مستشفيات بمواصفات عالمية، وبضمان مخزون استراتيجي من الأدوية والمعدات، وبالتمتّع بقدرات عناية فائقة كبيرة. وقد ظهر أثره في الأزمات عبر: الاستجابة الفورية من دون انتظار تمويل طارئ، والقدرة على شراء الخدمات عالميًا، مثل استقدام خبراء، نقل مرضى، عقود عاجلة، وأيضًا دعم عمليات خارج الحدود. ولذلك قيل عن الإستثمار في قطاع الصحة الخليجي إنَّ الإنفاق فيه ليس رفاهية، بل زمن مُختصر في لحظات حرجة. وقد أثبتت الحرب الأخيرة صحة ذلك.
إلى جانب الإنفاق، شكّل الاستثمار البشري العنصر الحاسم في التنفيذ. فاستقطب القطاع الصحي الخليجي الكفاءات وأنتج كفاءات مماثلة ما جعله رائدًا على المستويين التقني والبشري. وقد ظهر ذلك في: التدريب المستمر، في مجالات الطب الحربي والإصابات الجماعية وإدارة الكوارث، وفي الشراكات التعليمية مع مؤسسات دولية (مثل برامج كليفلاند كلينك ومايو كلينك). ما منحه قدرة على اتخاذ القرار الطبي بسرعة ودقة، والعمل ضمن فرق متعددة التخصّصات، وتقليل الأخطاء على رغم الضغط الهائل في الأزمات.
هنا تبرز أهمّية الإستثمار التكنولوجي مضاعف القوة سواء في السجلات الطبية الإلكترونية الموحدة، أو الذكاء الاصطناعي لتشخيص أسرع ولتوقع الضغط على الأسرّة وأنظمة إدارة الطوارئ، وعند الحاجة التطبيب عن بُعد. وهذا لا بد أن يظهر أثره أثناء الأزمات. وفي الأزمة الأخيرة تجلّى هذا النجاح في توزيع الجرحى أو المرضى بشكل ذكي بين المستشفيات، وتقليل الفوضى والازدحام، وتسريع التشخيص والعلاج. وهنا حضرت التكنولوجيا لتجعل الطبيب أسرع وأكثر دقّة لا لتحلّ مكانه.
الاستثمار المُربح في الزمن الصحّ
في الخلاصة يرى المراقبون أنه يمكن تلخيص النموذج الخليجي في معادلة بسيطة يترجمها استثمار مالي قوي، وكفاءات بشرية عالية، وتكنولوجيا متقدمة. مما أوصل إلى نظام صحي مرن قادر على الصمود. وإذا كان هناك من يسأل عن كيف نجحت هذه المعادلة تحديدًا في الأزمات؟
فجواب القيّمين وقادة هذا القطاع في الخليج هو أن الجاهزية تكون قبل الأزمة وليس أثناءها، وهذا ما خطّطنا له وسعينا لتحقيقه. يضاف إلى ذلك القرار المركزي السريع المدعوم بموارد كفوءة، والعمل ضمن شبكة وليس ضمن مستشفى منفرد، والقدرة على التمدد خارج الحدود ميدانيًا وإنسانيًا. وقد أثبتت التجربة الخليجية فعلاً أنّ الاستثمار في الصحة ليس كلفة بل أمن قومي، وأنّ المستشفى الحديث لم يعد مبنى، بل نظام متكامل، وأنّ النجاح في الأزمات يُبنى في أوقات الاستقرار. وفي أوقات الإستقرار خطّطت الدول الخليجية وسعت وبنَت، وفي لحظة الأزمة وجدت أن استثمارها كان مجديًا وأن سعيها كان في مكانه الصحي. أمّا للغد؟ فإن البدايات ما كانت يومًا إلا عنصر اطمئنان للمستقبل، وما كان المستقبل إلا وعدًا وفى به أصحاب الوفاء فجعلوه حاضرًا بكامل جهوزيته عندما دق نفير الأزمة!



