مقالات طبية

من الوعي إلى الدمج: كيف يبدو دعم التوحّد في دولة الإمارات اليوم؟

من الوعي إلى الدمج: كيف يبدو دعم التوحّد في دولة الإمارات اليوم؟

د. كريغ كوك، الرئيس التنفيذي لمركز التميز الذهني والبدنيشركة تابعة لموانئ دبي العالمية

لم يعد التحدي في التوحّد هو الوعيبل ما يحدث بعد مرحلة التشخيص. على مدار العقد الماضي، حققت دولة الإمارات تقدمًا ملحوظًا في فهم التوحّد. فقد ارتفع مستوى الوعي، وتراجعت الوصمة المجتمعية، وأصبح الدمج حاضرًا بشكل واضح في السياسات الوطنية والحياة العامة. لكن اليوم، لم يعد الوعي هو التحدي الأساسي. وهذا ما أراه بوضوح، ليس فقط من منظور طبي وإداري، بل أيضًا كأب يعيش هذه التجربة بشكل مباشر. السؤال الحقيقي اليوم هو: هل أنظمة الدعم الحالية منظمة، ومتكاملة، وفعّالة بما يكفي لتلبية احتياجات العائلات بعد مرحلة التشخيص؟

لأن رحلة معظم العائلات لا تبدأ بالوعي، بل تبدأ بعدم اليقين. تشخيص التوحّد غالبًا ما يفتح بابًا لأسئلة أكثر من الإجابات: ماذا يعني هذا لطفلي؟ ما التدخلات المناسبة؟ وما الخطوة التالية؟ ومن خلال تجربتي الشخصية كأب لابني زاندر، إلى جانب عملي اليومي مع العائلات، يتضح سريعًا أن التحدي لا يكمن فقط في توفر الخدمات، بل في القدرة على فهم ما يأتي بعدها والتنقل ضمنها بثقة. ورغم التقدم الذي تحقق، لا تزال العديد من العائلات تجد نفسها تتحرك داخل منظومة غير مترابطة من العلاجات والتقييمات والنصائح، دون مسار واضح أو متسق للمضي قدمًا.

وهنا يجب أن يتطور النظام. فالدمج الحقيقي لا يُقاس فقط بمدى توفر الخدمات أو ظهورها، بل بمدى وضوحها، واتساقها، وقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة. ما تحتاجه العائلات اليوم واضح، ويمكن تلخيصه في ثلاث ركائز أساسية: الوضوح، والاتساق، والتركيز على النتائج. تحتاج العائلات إلى وضوح حقيقي، لا إلى وفرة في المعلومات، بل إلى إرشاد منظم وقابل للتطبيق يساعدهم على فهم أشكال الدعم المختلفة ودور كل تدخل في تطور الطفل. كما تحتاج إلى اتساق في تقديم الخدمات، فالتقدم في حالات التوحّد نادرًا ما يكون خطيًا، وتعتمد النتائج على تدخلات منسقة ومستدامة عبر تخصصات متعددة. وعندما تعمل هذه الخدمات بشكل منفصل، يقع عبء التنسيق على العائلات، بينما يساهم النهج المتكامل في تحسين التجربة والنتائج معًا. وفي الوقت نفسه، يجب أن يتحول التركيز إلى النتائج التي تهم فعليًا، ليس فقط المؤشرات الطبية، بل التحسن في الحياة اليومية: القدرة على التواصل، والاستقلالية، والثقة، والمشاركة الفعّالة في المجتمع. قياس النجاح بهذه الطريقة يضمن أن يبقى الدعم مرتبطًا باحتياجات العائلات الحقيقية.

جزء أساسي من هذا النقاش هو التعليم.

ورغم التزام دولة الإمارات بتعزيز التعليم الدامج، فإن الواقع الذي تعيشه العائلات يكشف صورة أكثر تعقيدًا. فالدمج موجود، لكن توفره الفعلي لا يزال محدودًا.

ومن منظور الأهل، يُعد العثور على المدرسة المناسبة من أكثر التحديات صعوبة، ليس مجرد مدرسة تقبل الطفل، بل بيئة قادرة على دعمه بشكل فعّال، من خلال الموارد المناسبة، والخبرة، والاستمرارية. القبول في ازدياد، لكن القدرة على تقديم دعم فعّال لم تواكب هذا النمو. وفي كثير من الحالات، تواجه العائلات قوائم انتظار طويلة، أو تفاوتًا في مستويات الدعم، أو بيئات يظهر فيها الدمج، لكنه لا يكون دائمًا فعّالًا. وهذا لا يعود إلى نقص في النوايا، بل إلى تعقيد تطبيق الدمج الحقيقي على نطاق واسع. وسد هذه الفجوة أمر بالغ الأهمية. فالتعليم ليس منفصلًا عن الرعاية، بل هو أحد أهم البيئات التي يُدعم فيها التقدم أو يُقيد. وعندما تتكامل الرعاية الطبية مع البيئة التعليمية، تتحسن النتائج بشكل ملحوظ، أما عند غياب هذا التكامل، تتحمل العائلات مسؤولية سد هذه الفجوة بأنفسها.

في الواقع، المشكلة ليست في توفر الخدمات، بل في غياب هيكل واضح يربطها. وهذا فرق جوهري. تمتلك دولة الإمارات المقومات التي تؤهلها للانتقال إلى المرحلة التالية، فقد أثبتت قدرتها على تحويل السياسات إلى تطبيق فعلي بسرعة، ويمكن اليوم توجيه هذا الزخم نحو بناء منظومات دعم متكاملة قائمة على النتائج، تغطي رحلة التوحّد بشكل شامل.

ولا يتطلب ذلك بالضرورة أطرًا جديدة بالكامل، بل تكاملًا أفضل لما هو موجود بالفعل. فالمدارس، ومقدمو الرعاية الصحية، والمعالجون، والخدمات المجتمعية، جميعهم جزء من المنظومة، والتحدي يكمن في ربط هذه العناصر ضمن تجربة متكاملة ومستمرة للعائلات. كما تبرز فرصة حقيقية أمام دولة الإمارات للريادة إقليميًا في تحديد شكل الدعم طويل الأمد والمنظم للتوحّد، ليس كسلسلة من التدخلات المنفصلة، بل كرحلة متكاملة تتطور مع الفرد بمرور الوقت.

في النهاية، الدمج ليس سياسة تُكتببل تجربة تُعاش. تجربة تنعكس في سهولة وصول الأهل إلى الدعم المناسب، وفي قدرة الطفل على التفاعل بثقة داخل المدرسة والمجتمع، وفي استمرارية دعم التقدم على المدى الطويل. لقد نجحت دولة الإمارات في جعل الوعي حاضرًا.

أما الخطوة التالية، فهي بناء منظومة دعم أكثر تنظيمًا، وقابلة للقياس، وأكثر فعالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى