الدكتور كارلو سعد
العلاج الفيزيائي منظومة شفاء متكاملة تدمج التكنولوجيا مع لمسة الإنسان
الدكتور كارلو سعد، رئيس قسم العلاج الفيزيائي في مركز كليمنصو الطبي في بيروت

يعكس قسم العلاج الفيزيائي في مركز كليمنصو الطبي في بيروت التزامه بأعلى معايير الرعاية الصحية العالمية، حيث يُعد واحداً من أكثر الأقسام تطوراً وتجهيزاً في المنطقة. رئيس قسم العلاج الفيزيائي في مركز كليمنصو الطبي في بيروت الدكتور كارلو سعد استعرض في مقابلة مع مجلة “المستشفى العربي” دور هذا التخصص الدقيق في مختلف المجالات الطبية، وكيف يساهم في تحسين جودة الحياة من الطفولة وحتى الشيخوخة.
ما هي الحالات التي تستوجب التدخل بالعلاج الفيزيائي؟
يُعد العلاج الفيزيائي ضرورة قصوى للتعامل مع طيف واسع من الإصابات والاضطرابات الحركية، ومن أبرزها إصابات الجهاز العضلي الحركي وتشمل كافة إصابات المفاصل والعضلات، سواء كانت ناتجة عن خشونة المفاصل، التشنجات العضلية المزمنة، أو محدودية الحركة وضعف المرونة. وتشمل كذلك تصحيح القوام (Posture Correction) حيث نقوم بمعالجة العادات اليومية الخاطئة التي تؤدي إلى تشوهات في القوام (Bad Posture) أو التواءات ناتجة عن وضعيات الجلوس والوقوف غير السليمة.
كما نعمل على علاج الاختلال الوظيفي (Dysfunction) لاستعادة الحركة الطبيعية للمفصل أو العضلة، حيث يركز دورنا على “إعادة التأهيل” لاستعادة الكفاءة الحركية السابقة. تعتمد فلسفة هذا العلاج على استئصال المسبب الرئيسي للمشكلة بدلاً من الاكتفاء بتسكين العوارض الظاهرية فقط. فعلى سبيل المثال، لا يُعالج الالتهاب بالدواء وحده، بل عبر منظومة متكاملة تدمج بين العلاج الدوائي، الراحة التامة، واستخدام الثلج جنباً إلى جنب مع جلسات العلاج الفيزيائي؛ وذلك لضمان معالجة المشكلة وتحقيق استدامة في التعافي بدلاً من مجرد تهدئة الآلام المؤقتة.
ما التخصصات الطبية التي يرتبط بها العلاج الفيزيائي أو يتكامل معها؟
تتميز منهجية العمل في العلاج الفيزيائي بالتخصص الدقيق، إذ أن لكل قسم طبي أساليبه وعلاجاته الفيزيائية الخاصة التي تتناسب مع طبيعة الحالة المرضية. فالعلاج الذي يخضع له مريض القلب يختلف تماماً في تقنياته وأهدافه عن ذلك المخصص لإصابات العظام أو اضطرابات الأعصاب. نحن نعمل كشريك أساسي مع الأطباء في التخصصات كافة لتقديم حلول تأهيلية متكاملة تضمن استعادة المريض لكفاءته الجسدية بأفضل الوسائل العلمية المتاحة. اليوم، يُعتبر العلاج الفيزيائي ركيزة أساسية في مختلف الاختصاصات الطبية، حيث تطوّرت أساليبه الحديثة لتدخل في صلب بروتوكولات التعافي لعدة مجالات. فهو لا يقتصر فقط على جراحة العظام، بل يمتد ليشمل طب الأعصاب، وأمراض القلب، وحتى طب الأطفال. وتبرز أهميته الخاصة في التعامل مع حالات الجهاز التنفسي المعقدة لدى الأطفال، مثل الربو، الالتهابات الرئوية، وتراكم السوائل في الرئتين؛ حيث يوفر مركزنا الطبي تقنيات متخصصة لمساعدة الأطفال الذين يعجزون عن التخلص من هذه السوائل بأنفسهم، ما يعزز من كفاءة التنفس لديهم.
ما هو الأثر الإيجابي للعلاج الفيزيائي داخل المستشفيات ودوره في تعجيل الشفاء؟
يلعب العلاج الفيزيائي دوراً حيوياً لا يقل أهمية عن العلاج الدوائي، خاصة لمرضى الجلطات الدماغية والذين خضعوا لجراحات كبرى تتطلب مكوثاً طويلاً في الفراش؛ إذ يُعتبر المكوث في السرير لوقت طويل العدو الأول للمريض في هذه المرحلة. إن تدخل المعالج الفيزيائي المبكر يضمن منع تدهور الحالة الحركية ويحقق نتائج علاجية أسرع وأفضل، حيث لا يمكن الاكتفاء بالأدوية وحدها لضمان استعادة الجسم لوظائفه الطبيعية. ففي حالات جراحة الورك الحديثة (طفيفة التوغل) مثلاً، يسهم التأهيل الفيزيائي الفوري في تقليل آلام المريض وتمكينه من العودة إلى منزله في وقت أقصر وبأمان تام.
كيف يساهم العلاج الفيزيائي إذن في خفض التكاليف الصحية وتحسين كفاءة الرعاية؟
تؤكد الدراسات العالمية أن العلاج الفيزيائي ليس مجرد إجراء طبي تكميلي، بل هو استثمار اقتصادي يقلص الهدر في القطاع الصحي. فعلى سبيل المثال، أثبتت الأبحاث أن تدخل العلاج الفيزيائي لحالات الالتهاب الرئوي عند الأطفال يقلص فترة المكوث في المستشفى من 6 أيام إلى 4 أيام فقط. هذا الانخفاض، الذي يقارب 33٪ في مدة التنويم، عند تعميمه على آلاف الحالات، يؤدي إلى خفض كبير في التكاليف الصحية الإجمالية. لذا، فإن العلاج الفيزيائي هو الشريك الأساسي الذي يضمن فاعلية العلاج من جهة، وتخفيف الأعباء المادية والزمنية على المريض والمنظومة الصحية من جهة أخرى.
بين التطور التقني والمهارة اليدوية.. كيف يواكب قسم العلاج الفيزيائي لديكم أحدث أساليب العلاج؟
نعتمد في مركزنا استراتيجية دقيقة تدمج بين العلاج اليدوي وأحدث ما توصل إليه العلم من تقنيات وآلات طبية عالمية. نحن لا نكتفي بتبني أية تكنولوجيا جديدة، بل نخضعها للرقابة والتقييم لضمان فعاليتها الحقيقية، مع الحرص على المشاركة الدائمة في كبرى المؤتمرات الدولية، لنظل دائمًا في طليعة المراكز المجهزة بأحدث الأقسام. تتنوع خططنا العلاجية حسب احتياج كل حالة؛ فبعضها يتطلب تدخلاً يدوياً صرفاً، وبعضها يرتكز على الأجهزة الحديثة، بينما نجمع بينهما في أغلب الأحيان لتحقيق أقصى استفادة للمريض، مدعومين بإدارة لا تتوانى عن تأمين كل ما هو جديد ومتطور.
لماذا تحافظ “يد المعالج” على مكانتها كركيزة أساسية رغم الثورة التكنولوجية؟
مهما بلغت دقة الآلات، تبقى يدا المعالج الفيزيائي هي الأداة التشخيصية والعلاجية الأهم، فهي التي تمتلك القدرة على التحسس وفهم استجابة الأنسجة بشكل مباشر. مهنة العلاج الفيزيائي تجمع بين الدقة العلمية واللمسة الإنسانية، حيث نحرص على التعامل مع المريض بلطف ومهنية، بما يضمن راحته وسلامته. هذا الجانب الإنساني . المدروس بعناية هو جزء جوهري من تخصصنا. فالعلاج الناجح هو من يمتلك مهارة القدرة على التواصل الحركي والنفسي مع المريض، ليعرف تماماً متى وكيف يتدخل، مدركاً أن التطور التقني هو عامل مساعد، أما الشفاء فيبدأ من دقة المهارة اليدوية وحسن التعاطي مع الحالة.
ماذا عن الإصابات الرياضية؟ كيف يساهم التدخل الفوري للعلاج الفيزيائي في إنقاذ المسيرة المهنية للرياضيين وتقليص فترات الغياب؟
في عالم الرياضة الاحترافية، لا ترف للوقت؛ فالأندية تستثمر مبالغ طائلة واللاعب يحتاج للعودة السريعة والآمنة للميدان. يبدأ دورنا من اللحظة الأولى للإصابة على أرض الملعب، حيث أن التدخل الفوري، مثل الحد من التورم والنزيف عبر المشدات الضاغطة، يختصر أسابيع من فترة التعافي اللاحقة. نحن لا نعالج الإصابة فحسب، بل نحيط الرياضي بمنظومة متكاملة تشمل التوعية الغذائية قبل وبعد المباريات، وجدولة فترات الراحة (خاصة في الرحلات الطويلة التي تتجاوز 3 ساعات)، والإشراف الدقيق على عمليات الإحماء. إن تخصصنا يمتد ليشمل فهم مراحل الاستشفاء؛ من الإصابات البسيطة التي تحتاج أسبوعاً واحدا”، وصولاً إلى الحالات التي تتطلب جراحات متخصصة للرياضيين تعتمد تقنيات تثبيت متطورة لضمان عودة المفصل لكفاءته القصوى. يتطلب التعامل مع الإصابات الرياضية، مثل تمزق العضلات والتواء الكاحل، دقة متناهية في التشخيص والجدولة الزمنية؛ فكل درجة إصابة لها بروتوكول خاص يتراوح من 10 أيام إلى أكثر من شهر ونصف في حالات الجراحة. وبصفتنا خبراء في مجال الحركة، يقع على عاتقنا دور توعوي حاسم تجاه مخاطر المنشطات؛ فبينما يظن بعض الرياضيين أنها وسيلة لتحسين الأداء، ندرك نحن آثارها المدمرة على الأنسجة وصحة الجسم على المدى البعيد. لذا، فإن مرافقتنا للفرق الرياضية في كل خطوة تضمن بيئة رياضية آمنة، خالية من العوارض الجانبية، ومبنية على أسس علمية رصينة تضمن استدامة عطاء اللاعب.
لا بد لنا ان نتطرق الى نمط الحياة السريع من حيث الجلوس لفترات طويلة والاستعمال المفرط للهاتف. ما هي المخاطر لسلامة العمود الفقري لدى المراهقين؟
من المؤسف أننا أصبحنا نشاهد صوراً شعاعية لمراهقين في سن الخامسة عشرة، تبدو فقراتهم وكأنها لشخص في الخمسين من عمره، وذلك بسبب ما يُعرف بـ “Tech Neck Syndrome” وهي ظاهرة ناتجة عن الانحناء المستمر أمام شاشات الهواتف والكمبيوتر؛ فعندما تميل الرقبة بزاوية 60 درجة للأمام، يزداد الثقل المسلط على الفقرات ليصل إلى ما يعادل 25 كيلوغراماً. هذا الضغط الهائل يؤدي إلى دفع “الديسك” للخلف وتغيير اصطفاف الفقرات، وهو أمر كارثي خاصة لدى اليافعين الذين لم تكتمل بنية أجسادهم ونموهم بعد، ما ينذر بتشوهات قوامية مبكرة وآلام مزمنة.
كيف نحمي أجيالنا من تلك المخاطر؟
إن مواجهة هذه المخاطر المتزايدة تتطلب رفع مستوى الوعي واتباع نمط حياة نشط لكسر حدة الجمود الجسدي. تكمن النصيحة الجوهرية في ضرورة التحرك المستمر، وممارسة الرياضة بانتظام، وخاصة السباحة التي تعمل على تقوية عضلات الظهر وتخفيف الضغط عن العمود الفقري. كما يجب التدريب على وضعية الجلوس الصحيحة وتجنب الانحناء الطويل للرقبة، لضمان حماية الظهر من الالتواءات المستقبلية. الوقاية اليوم هي الضمان الوحيد لتجنب الوصول إلى مراحل متقدمة من الديسك التي قد يلازم الشخص طوال حياته.



