عالِم يصمِّم علاجًا موجّهًا لمواجهة أحد أخطر أنواع سرطان الدماغ
جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس UCLA – تطور دواءً جديدًا لاستهداف الورم الأرومي الدبقي
عالِم يصمِّم علاجًا موجّهًا لمواجهة أحد أخطر أنواع سرطان الدماغ

أمضى الدكتور ديفيد ناثانسون، الحاصل على درجة الدكتوراه، العقدين الماضيين في دراسة وفهم وعلاج الورم الأرومي الدبقي (Glioblastoma)، أحد أكثر أنواع أورام الدماغ عدوانيةً وفتكًا.
يقول الدكتور ناثانسون، أستاذ علم الأدوية الجزيئية والطبية في كلية ديفيد جيفن للطب بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس UCLA، وعضو مركز جونسون الشامل للسرطان التابع لمستشفى جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس: “إن القدرة على منح المرضى بصيصًا من الأمل أمرٌ مُلهم”.
خلال دراسته العليا في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، تعرّف الدكتور ناثانسون على أبحاث السرطان، حيث جذبته التحديات العلمية المعقدة وفرصة المساهمة في إيجاد حلول حقيقية للمرضى الذين هم بأمسّ الحاجة إليها.
أهمية العلاجات الجديدة
تُعد الحاجة إلى تطوير علاجات جديدة للورم الأرومي الدبقي أمرًا بالغ الأهمية، إذ يُصنَّف هذا الورم بين أكثر أنواع السرطان فتكًا، حيث لا تتجاوز نسبة البقاء على قيد الحياة لمدة خمس سنوات بعد التشخيص 5%. ورغم عقود من الأبحاث، ظلّ التقدم محدودًا؛ إذ فشل أكثر من 90% من الأدوية التي خضعت للتجارب السريرية لعلاج هذا الورم. ويعود ذلك جزئيًا إلى الطبيعة غير المتجانسة لهذه الأورام، ما يجعل استهداف مسار بيولوجي واحد غير كافٍ لتحقيق نتائج فعّالة. كما أن وجود الورم خلف الحاجز الدموي الدماغي يمنع العديد من الأدوية من الوصول إلى النسيج الورمي. إضافة إلى ذلك، فإن العديد من العلاجات التي تم اختبارها على هذا النوع من الأورام صُممت أساسًا لعلاج سرطانات خارج الجهاز العصبي المركزي، مثل سرطان الرئة أو الثدي، ما أسهم في ارتفاع معدلات الفشل العلاجية نظرًا لاختلاف الخصائص البيولوجية للورم الأرومي الدبقي.
نهج علاجي شخصي
يقود الدكتور ناثانسون برنامجًا بحثيًا انتقاليًا لأورام الدماغ يهدف إلى فهم الخصائص الفريدة للورم الأرومي الدبقي واستغلالها لتطوير علاجات أكثر دقة وفعالية. ويعمل فريقه على رسم خريطة للخصائص الأيضية ومسارات الإشارات الخلوية التي تميز الأورام عن بعضها البعض. وتُظهر الدراسات أن هذه الأورام قد تختلف بشكل كبير على المستوى الجزيئي والجيني، وهو ما يفسر سبب نجاح بعض العلاجات لدى مرضى معينين وفشلها لدى آخرين. لذلك يركز الباحثون على تحديد نقاط الضعف البيولوجية الخاصة بكل ورم واستهدافها علاجيًا.
مستقبل EGFR كهدف علاجي
يُعد بروتين مستقبل عامل نمو البشرة (EGFR) أحد المحركات الجزيئية الرئيسية في العديد من حالات الورم الأرومي الدبقي، حيث تظهر تغيّرات أو طفرات في هذا البروتين لدى أكثر من نصف المرضى، ما يجعله عنصرًا أساسيًا في نمو الورم وانتشاره وتنظيم عملياته الأيضية. غير أن الأدوية الحالية الموجّهة ضد EGFR صُممت لعلاج سرطانات خارج الدماغ، في حين أن الطفرات الموجودة في الورم الأرومي الدبقي تحدث في مناطق مختلفة من المستقبل، مما يغيّر طريقة تفاعل الأدوية معها. كما أن العديد من هذه العلاجات لا تستطيع عبور الحاجز الدموي الدماغي، ما يحد من فعاليتها.
يقول الدكتور ناثانسون: “نحن بحاجة إلى نهج علاجي مصمم خصيصًا لورم الأرومي الدبقي”.
دواء مصمَّم خصيصًا لهذا الورم
بدلًا من محاولة تعديل الأدوية المتوافرة، سعى الدكتور ناثانسون إلى تطوير دواء جديد قادر على اختراق الدماغ واستهداف طفرات EGFR من دون التسبب بسمّية مفرطة. ولهذا الغرض، تعاون الدكتور ناثانسون مع اختصاصي أورام الأعصاب الدكتور تيموثي كلوغيسي، مدير برنامج الأورام العصبية والأستاذ المشارك في إدارة مركز أورام الدماغ في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس UCLA، إلى جانب الكيميائي الدكتور مايكل يونغ، الذي ساهم سابقًا في تطوير أدوية حاصلة على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA).
جمع هذا التعاون بين بيولوجيا الأورام والخبرة السريرية والكيمياء الدوائية لتطوير علاج مخصص للورم الأرومي الدبقي.
ويقول الدكتور ناثانسون: “يجب أن نفهم الطفرة التي تقود الورم، لكن علينا أيضًا أن نأخذ في الاعتبار البيئة الفريدة للدماغ”.
وبالتعاون مع البرنامج السريري للدكتور كلوغيسي، اختبر الفريق المركّبات الدوائية على نماذج مستخلصة من مرضى الورم الأرومي الدبقي، وتمكنوا من تحديد مركّب قادر على اختراق الدماغ واستهداف طفرات EGFR بشكل انتقائي.
وكانت النتيجة تطوير KTM-101، وهو دواء صُمم خصيصًا لاختراق الحاجز الدموي الدماغي واستهداف الطفرات المرتبطة بالورم الأرومي الدبقي.
من المختبر إلى المرضى
أظهرت المرحلة الأولى من التجارب السريرية لـ KTM-101 أن الدواء آمن ويتحمله المرضى جيدًا، كما أنه يصل إلى مستويات علاجية فعالة داخل الدماغ. ولاحظ الباحثون أيضًا مؤشرات أولية على فعاليته لدى مرضى الورم الأرومي الدبقي في مراحله المتقدمة، وهي حالات نادرًا ما تُظهر استجابة، ما منح الفريق ثقة بأن الدواء يصل إلى هدفه ويُحدث فرقًا حقيقيًا. ويأمل الفريق في استخدام KTM-101 في مراحل أبكر من العلاج، عندما تكون الأورام أكثر قابلية للاستجابة.
ويرى الدكتور ناثانسون أن KTM-101 هو جزء من جهد أكبر لمواجهة مرض معروف بقدرته العالية على التكيّف والتطوّر. ويواصل مختبره استكشاف استراتيجيات إضافية تستبق تطوّر الورم بهدف الحفاظ على السيطرة عليه لفترات أطول. ويؤكد الدكتور ناثانسون أن الفريق لا يطوّر مجرد دواء، بل يبني منصّة متكاملة لتصميم علاجات مخصّصة لبيولوجيا أورام الدماغ… فالهدف عاجل وواضح: إطالة حياة المرضى الذين يواجهون هذا التشخيص.
يسهم برنامج أورام الدماغ في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس UCLA في تسريع تحويل الاكتشافات المخبرية إلى تجارب سريرية. ويقود البرنامج كل من جرّاحة الأعصاب الدكتورة ليندا لياو والدكتور كلوغيسي، حيث يجمع فريقًا متعدد التخصّصات ضمن منظومة متكاملة.
يختتم الدكتور ناثانسون بالقول: “إن التحدي الأكبر يتمثل في نقل الاكتشافات العلمية من المختبر إلى المرضى، لكن البيئة التعاونية المتكاملة في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA) تتيح تحقيق هذا الانتقال.”



