ابتكارات UCLA Health تعيد تعريف حفظ الأعضاء
عصر جديد في زراعة الرئة
ابتكارات UCLA Health تعيد تعريف حفظ الأعضاء

يشهد مجال زراعة الرئة تحولًا غير مسبوق بفضل التطورات المتسارعة في تقنيات حفظ الأعضاء، والتي باتت تفتح آفاقًا جديدة أمام تحسين نتائج الزراعة وزيادة الاستفادة من الأعضاء المتبرع بها. وفي هذا السياق، حققت UCLA Health إنجازًا عالميًا بإجراء أول عملية زراعة رئة باستخدام رئتين نُقلتا عبر منصة متطورة تعتمد على تقنية الإرواء الدافئ، في خطوة تمثل نقلة نوعية في أساليب حفظ الأعضاء، وتعزز فرص توسيع قاعدة المتبرعين، وتحسين نتائج المرضى، وإنقاذ المزيد من الأرواح.
بالنسبة للمرضى المصابين بأمراض الرئة في مراحلها النهائية، غالبًا ما تمثل زراعة الرئة الخيار العلاجي الوحيد للبقاء على قيد الحياة. ورغم أن التطورات في التقنيات الجراحية والرعاية اللاحقة للزراعة أسهمت بشكل ملحوظ في تحسين النتائج العلاجية، فإن الحفاظ على سلامة الرئة المتبرع بها خلال الفترة الممتدة بين استئصالها من المتبرع وزراعتها لدى المتلقي لا يزال أحد أبرز التحديات التي تواجه هذا التخصص. اعتُمِد لسنوات طويلة على حفظ الرئات المتبرع بها داخل حاويات مبرّدة باستخدام تقنية الحفظ الساكن بالبرودة (Static Cold Storage)، وهي الطريقة التقليدية لنقل الأعضاء. إلا أن بقاء الرئة لفترات طويلة في درجات حرارة منخفضة قد يزيد من خطر حدوث إصابة نقص التروية (Ischemic Injury)، الأمر الذي قد ينعكس سلبًا على أدائها بعد الزراعة. وفي المقابل، توفر تقنية الإرواء الدافئ نهجًا أكثر تطورًا، إذ تحافظ على الرئة في حالة وظيفية قريبة من الحالة الفسيولوجية الطبيعية طوال عملية النقل، من خلال استمرار التروية الدموية والتهوية، مما يسهم في الحفاظ على سلامة العضو وإتاحة تقييم وظائفه بصورة مستمرة قبل الزراعة.
ويتميز الجيل الأحدث من هذه التقنية بعدد من التطورات المهمة، من أبرزها القدرة على التخلص الفعّال من السوائل الزائدة التي تتراكم عادةً في رئتي المتبرعين بعد الوفاة الدماغية، وهي حالة تُعرف بالوذمة الرئوية العصبية (Neurogenic Pulmonary Edema) ويسهم تقليل هذه السوائل قبل الزراعة في تحسين جاهزية الرئتين وتهيئتهما بأفضل صورة قبل الزرع. وقاد هذا الإنجاز التاريخي في مجال زراعة الرئة الدكتور عباس أردَهالي، مدير برامج زراعة القلب والرئة وزراعة القلب – الرئة في UCLA Health، والذي كرّس مسيرته المهنية لدفع حدود علوم زراعة الأعضاء وتطوير تقنيات حفظها.
ولطالما كانت UCLA Health في طليعة المؤسسات الطبية التي تعمل على تقييم وتطوير تقنيات الإرواء خارج الجسم، التي تهدف إلى الحفاظ على الوظيفة الحيوية للأعضاء المتبرع بها أثناء نقلها. ويوضح الدكتور عباس أردَهالي أن “تكمن الفكرة الأساسية لتقنية الإرواء خارج الجسم للأعضاء (Ex Vivo Organ Perfusion) في توفير بيئة تحافظ على الأعضاء بأفضل حالة ممكنة حتى موعد زراعتها”.
ويستند نظام الحفظ الجديد إلى هذه الرؤية، مع توفير إمكانات متقدمة تشمل المراقبة الفسيولوجية الدقيقة، وتحسين أنظمة التهوية، وإعادة تصميم حجرة حفظ العضو بما يقلل الإجهاد الميكانيكي الواقع على الأنسجة، بالإضافة إلى أنظمة تصريف تساعد في الحفاظ على سلامة الرئة طوال رحلة النقل. ورغم أن الاكتشافات العلمية ترسم ملامح مستقبل الطب، فإن قيمتها الحقيقية تتجلى في المرضى الذين تُغيّر حياتهم. وكانت أول مستفيدة من هذا الإنجاز الطبي التاريخي السيدة باتي كولز، التي بدأت علاقتها بـ UCLA Health قبل سنوات طويلة من أن تصبح مريضة.
فقد عملت كولز موظفةً في خدمات التغذية داخل مركز Ronald Reagan UCLA Medical Center، حيث أمضت سنوات في خدمة الأطباء والممرضين والعاملين بالمستشفى. وكان الدكتور أردَهالي أحد زبائنها الدائمين، حتى إنها كانت تحفظ طلب الغداء الخاص به عن ظهر قلب. وفي ذلك الوقت، لم تكن تعرفه إلا بوصفه أحد الأطباء الذين يرتادون المطعم يوميًا. لكن في عام 2024، شُخّصت كولز بإصابتها بالتليف الرئوي، وهو مرض تدريجي يؤدي إلى تندب دائم في أنسجة الرئة. ومع تدهور حالتها، أصبحت حتى الأنشطة اليومية البسيطة تمثل تحديًا متزايدًا، واضطرت في نهاية المطاف إلى الاعتماد على العلاج بالأكسجين بصورة مستمرة، كما أُجبرت على ترك العمل الذي أحبّته.
وأُحيلت كولز إلى UCLA Health لإجراء التقييم اللازم. وخلال فترة وجودها في المستشفى، تعرّف الدكتور أردَهالي إلى السيدة التي اعتادت تقديم وجبات الغداء له على مدى سنوات. وهكذا تحوّلت العلاقة التي جمعتهما، بعد أن كانت علاقة بين زميلين في المستشفى، إلى علاقة طبيب ومريضة، أساسها الأمل والثقة والسعي لإنقاذ الحياة. وبعد التقييم، تقرر أن كولز بحاجة إلى زراعة رئتين جديدتين. وعندما توفرت رئتان مناسبتان من متبرع، أصبحت أول مريضة في العالم تتلقى رئتين نُقلتا باستخدام منصة الحفظ الجديدة. وقد أبرز نجاح العملية ليس فقط الإمكانات الواعدة لهذه التقنية، بل أيضًا الخبرة المتكاملة للفريق متعدد التخصصات الذي يرافق المريض في جميع مراحل رحلة الزراعة، بدءًا من التقييم والجراحة، مرورًا بإعادة التأهيل، ووصولًا إلى المتابعة طويلة الأمد.
وفي ظل استمرار الفجوة بين أعداد المرضى المحتاجين إلى زراعة الرئة وعدد الأعضاء المتاحة عالميًا، تفتح الابتكارات في مجال حفظ الأعضاء آفاقًا واسعة أمام برامج زراعة الأعضاء في مختلف أنحاء العالم. فمن شأن تحسين تقنيات الحفظ أن يتيح استخدام عدد أكبر من الرئات المتبرع بها بأمان، وتحسين وظائف الرئة المزروعة في المراحل المبكرة بعد العملية، وإتاحة العلاج المنقذ للحياة لعدد أكبر من المرضى.
وبالنسبة للمرضى حول العالم الباحثين عن رعاية طبية فائقة التخصص، تؤكد هذه التطورات أهمية المراكز الطبية الأكاديمية الرائدة التي تجمع بين البحث العلمي المتقدم والتميز السريري. ففي UCLA Health، يعمل خبراء معترف بهم عالميًا ضمن فرق متعددة التخصصات تشمل جراحة الصدر، وأمراض الرئة، والرعاية الحرجة، وإعادة التأهيل، والتصوير الطبي، والبحث العلمي، لتقديم رعاية شخصية متكاملة للمرضى الذين يعانون من أكثر أمراض الرئة تعقيدًا.
ومع دخول زراعة الأعضاء مرحلة جديدة في تقنيات حفظ الأعضاء، تواصل UCLA Health توسيع حدود الممكن من خلال الاكتشافات العلمية والابتكار والرعاية الإنسانية التي تضع المريض في قلب الاهتمام. ومن خلال تطوير تقنيات ترتقي بجودة الأعضاء المتبرع بها وتوسّع فرص الوصول إلى زراعة الأعضاء، تسهم UCLA Health في رسم مستقبل طب زراعة الأعضاء، وتمنح أملًا جديدًا للمرضى حول العالم الذين يواجهون أمراضًا رئوية تهدد حياتهم.



